هناك نوع آخر وهو في مظهره أخبث من الأول لأنه أخفى منه، ولكن ايضًا يرِد عليه الأسباب التي أشرنا إليها آنفًا وذكرنا بعضها، فيعالج هذا المدلس بنفس الأسباب إن كانت جائزة أو كانت محرمة، هذا التدليس يسمى"بتدليس التسوية"وذلك بأن يأتي الراوي من رواة الحديث لايُسقط الشيخ الذي بينه وبين شيخه، فهو قد يقولُ حدثني فلان ولكنه يُسقط شيخ شيخه - من فوق - فيظهر للراوي أو لسامع لهذا الإسناد أن الإسناد سالم من أي علَّة لأن هذا المدلس قد صرَّح بالتحديث عن شيخه، ولكن لايخطر في بال السامع أو الرائي للإسناد أن التدليس إنما هو من فوق شيخه وقد ذكر علماء المصطلح مثالًا في هذا، أن الوليد بن مسلم كان راوية عن الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام في زمانه، فكان الأوزاعي يروي من جملة مايروي عن بعض شيوخه المتروكين واسمه يوسف بن - نسيت بن من الآن - فكان الوليد بن مسلم إذا روى عن الأوزاعي يسقط شيخ الأوزاعي فيقول مثلًا: حدثني الأوزاعي عن فلان أي: الشيخ شيخ الاوزاعي الذي أسمه يوسف، فانتبه لذلك بعض المحدثين فسألوه عن ذلك، كيف أنت تفعل هذا فتسقط هذا الرجل المتهم المتروك؟ فيقول -أنظروا الآن كيف أن أراء الناس تختلف وتضطرب كل الإضطراب-فيقول: أني أُجلُّ الإمام الأوزاعي أن يروي عن رجل متروك كمثل يوسف هذا، فقال له الناقد البصير: أنت تجل الإمام الأوزاعي عن شيء فعله -روى عن هذا المتروك-ثم لا تبالي أن تظهر الحديث الضعيف الضعيف جدًا في مظهر الحديث الصحيح من أجل أن ترفع من مقام الإمام الأوزاعي أنه يروي عن هذا المتروك وقد روى.
فهنا إنتهت القصة وفيه بيان أن"تدليس التسوية"أخبث من"تدليس الإسناد"لأنه يسقط من فوق حيث لا يخطر في البال، عادةً أن التدليس والإسقاط للرجل لايكونُ إلا من بين الراوي وشيخه مباشرةً، بينما هناك هذا النوع من تدليس التسوية، ولذلك فهذا النوع من التدليس إذا كان الرواي يروي حديثًا يشترط المحدثون أن يكون إسناده مسلسلًا بالسماع أو التحديث في كل الطبقات وفي كل الدرجات، من