و يُبيّنُ معنى هذا الكلام حديثُ النعمان بن بشير قال: (أُغمِيَ على عبد الله بن رواحة، فجعلت أُختُه عَمْرَةُ تبكي: واجبلاه، واكذا واكذا، تُعدِّدُ عليه، فقال حين أفاق: ما قُلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟"فلمّا مات لم تَبْكِ عليه) رواه البخاري."
و قد تشدَّد [2] رسول الله صلى الله عليه وسلّم في النهي عن النياحة، فقال: (أربعٌ في أُمتي مِنْ أمر الجاهليّة لا يتركونها: الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب، و الاستسقاء بالنّجوم،و النِّياحةُ) وقال: (النَّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة و عليها سربالٌ من قَطِران و درعٌ من جَرَب) رواه مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام:
(اثْنَتَانِ في النَّاس هُما بهم كُفْرٌ: الطَّعنُ في النَّسب و النِّياحة على الميّت) رواه مسلم.
_ قال الإمام النووي في كتابه"الأذكار"باب تحريم النياحة: و اعلم أن النياحة: رفعُ الصوت بالندب، و الندبُ: تعديد النّادبة بصوتها محاسن الميت، و قيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. قال أصحابنا: و يحرُمُ رفع الصوت بإفراط في البكاء. وأمّا البكاء على الميت من غير ندب و لا نياحة فليس بحرام ا. هـ
_ وكان أهلُ الجاهليّة حريصون كل الحِرص على تقاليدهم الخاصة بما بعد الموت فمن ذلك أنهم كانوا يَعُدُّون حُضُورَ مجالس النِّياحة أمرًا واجبًا؛ وهو كالدَّيْن فلا بدَّ مِنَ الوفاء به؛ ومَنْ لم يَفِ به فإنه، بلا شك، قد أساء لنفسه؛ ويجب أن يُعامل بالمثل. إلى حدّ أن إحدى النساء لمّا أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم لِتُبَايعَهُ، أخذ عليها مع البيعة ألا تنوح فامتنعت، حتى ذهبت فشاركت جارتها في مجلس نياحتها ثم عادت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: (لمّا نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئًا ولا يَعْصِينَكَ في معروف} [الممتحنة: 12] قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يارسول الله، إلا آلَ فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:(إلا آل فلان) . رواه مسلم
وقي رواية أخرى (قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقرأ علينا {أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئًا ... } ، نهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنَّا يَدَها، فقالت: فلانة ُ أَسْعَدَتْنِي، فأنا أريد أن أَجزِيَها، فما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئًا، فانطلقت، ثم رَجَعَتْ، فبايعها) .
وفي حيث أنسٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أَخَذَ على النساء؛ حين بايعهنّ؛ أن لا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يا رسول الله، إن نساءً أَسْعَدْننا في الجاهلية: أفنُسْعِدُهُن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لا إِسْعَادَ في الإسلام) . صحيح رواه أحمد والنسائي وابن حبان.
قال ابن الأثير في"النهاية"2/ 366: وقوله (لا إسعاد في الإسلام) : هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة، فنُهِينَ عن ذلك.
· إذًا لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمرًا مما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت إلا ونهى عنه وجَعَلَه محرّما على المسلمين. ثمّ سنَّ لنا سُننَ هدى، و شرَّع لنا شرائعَ أمرنا بها و حضَّنا عليها عند مصيبة الموت، و ما قبلها، و ما بعدها. و من تلك السنن قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرتم المريض أو الميّت فقولوا خيرًا، فإنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون) رواه مسلم.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم عندما أرسلت له إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن ابنًا لها في الموت، فقال للرَّسول:"ارْجِعْ إليها فأَخْبِرْها: إِنَّ للهِ ما أخذَ ولهُ ما أعطى، وكل شيئٍ عنده بأجَلٍ مُسمّى فَمُرْها فَلْتَصْبِر ولْتَحْتَسِب". رواه مسلم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)