ولو شهد شاهدان على رجل أنه قال: هذا حر بعد موتي لا بل هذا قبلت الشهادة، وعتقا جميعًا من ثلثه إذا وجد الدعوى منهما بالإجماع؛ لأن الشهادة في حق كل واحد منهما قامت على إثبات الحق لمعلوم؛ لأنها قامت على تدبير الأول بعينه وقامت على تدبير الثاني بعينه، والرجوع عن الأول فهو قولنا: إن الشهادة في كل واحد منهما قامت على إثبات الحق لمعلوم، وكذلك لو شهدا أنه قال: هذا حر ألبتة، لا بل هذا مدبرًا قبلت الشهادة في حق الأول والثاني لما قلنا.
ولو شهدا أنه قال: هو حر ألبتة، أو هذا مدبر فإنه لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنها قامت للمجهول في العتق والتدبير ودعوى العتق، والتدبير شرط عنده، وإنه لا يتصور من المجهول.
ولو شهدا أنه قال: هذا مدبر وهذا وهذا، فشهادتهما للأول جائزة عندهم؛ لأنها وقعت للمعلوم وشهادتها للآخرين باطلة عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنها وقعت للمجهول، فإن أقر المولى بذلك قيل له: بين التدبير في أي الآخرين ثبت؛ لأن جهالة الخصم لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الإقرار صحيح وغير دعوى
ولو شهدا أنه قال: أحد هذين العبدين مدبر لا بل هذا لأحدهما بعينه؛ فإن شهادتهما للذي عيناه مقبولة بالإجماع، وشهادتهما للأولين لا تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله، ولكن يحلف للآخر بالله ما أراد غيره بالكلام الأول؛ فإذا حلف كان عبدًا له على حاله، وإن إقرار المولى بمقالته تلك صار للذي عينه مدبرًا من غير بيان بالكلام الآخر، ويتعين العبد الآخر للكلام الأول إن عنى بالكلام الآخر تدبيرًا مستقبلًا له ولم يكن له، وإن عنى بالكلام الآخر بيان ما ثبت الكلام الأول فإن العبد الآخر لا يصير مدبرًا، والله أعلم.
يجب أن يعلم بأن جواز بيع (أم) الولد كان مختلفًا في الصدر الأول، فعمر وعلي رضي الله عنهما كانا لا تجواز بيعها، ثم رجع علي رضي الله عنه عن قوله، وقال بجواز بيعها ثم أجمع (335أ1) المتأخرون على أنه لا يجوز بيعها، وترك قول علي رضي الله عنه آخرًا، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قضى بتعليق عتق أمهات الأولاد، وأن لا يبعن، والمعنى في ذلك: أنه ثبت لها بالاستيلاد حق أن تعتق بموت المولى، قال عليه السلام: «أيما أمة ولدت من سيدها، فهي معتقة عن دبر» فقد أثبت لها رسول الله عليه السلام الاستيلاد وحقَّ أن تعتق بموت سيدها، وفي البيع إبطال هذا الحق عليها.