وإذا تقدم رجل إلى القاضي وادعى على رجل حقًا، والقاضي لا يعرف أنه محق أو مبطل وأراد الاعداء على خصمه، يريد به أنه طلب من القاضي أن يحضر خصمه، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون المدعى عليه في المصر، وإنه على وجهين أيضًا:
الأول: أن يكون المدعى عليه رجلًا صحيحًا، أو امرأة برزة تخالط الرجال، وفي هذا الوجه: القياس أن لا يعديه؛ لأنه يتضرر به المدعى عليه؛ لأنه ينقطع عن أشغاله، ومجرد الدعوى لا تصلح سببًا للاستحقاق، خصوصًا إذا كان فيه إضرارًا بالغير، وفي الاستحسان يعديه بالآثار المشهورة في هذا الباب من جملة ذلك:
ما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا أبا جهل» وعن عثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم عدوا، وجرى التوارث بهذا إلى يومنا من غير نكير منكر، ولأن القاضي مأمور في فصل الخصومة، وفصل الخصومة إما بالبينة، والبينة لا تسمع إلا على الخصم الحاضر، وإما بالإقرار واليمين، وذلك لا يتحقق بدون حضرة المدعى عليه، والمدعى عليه لا يحضر بنفسه، والمدعي لا يتمكن من إحضاره؛ لأنه يقابله، فيقبض القاضي لإحضاره.
ثم الإعداء، على نوعين:
أحدهما: أن يذهب القاضي بنفسه، والثاني: أن يبعث من يحضره، ورسول الله عليه السلام فعل كلا النوعين، إلا أن في زماننا القاضي لا يذهب بنفسه، إما لأن الخصومات تكثر على باب القاضي، فلو ذهب في كل خصومة (72آ) بنفسه لا يتفرغ لفصل الخصومات، أو لأن حشمة القاضي بأعوانه، فلو ذهب مع كل الأعوان كان حرجًا، ولو ذهب بنفسه يستخف به، فلا يحصل المقصود بالذهاب بنفسه، وأما حشمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوته كانت بنفسه، فكان يحصل المقصود بذهابه بنفسه.
الوجه الثاني: من هذا الوجه، وهو ما إذا كان المدعى عليه في المصر، ويكون مريضًا، أو امرأة مخدرة، وهي التي لم تعتد لها الخروج، فالقاضي لا يعديهما، أما المريض فلأنه معذور، قال الله تعالى: {ولا على المريض حرج} (النور: 61) وأما المرأة المخدرة، فلأنه لا فائدة في إحضارها؛ لأن الحياء يمنعها عن التكلم، وعن جواب الخصم، وربما يصير ذلك سببًا لفوات حقها، بخلاف ما إذا كانت برزة تخالط الرجال، لأنها تتمكن من الجواب، ومن إقامة الحجة، فكان في إحضارها فائدة.