واختلفوا أيضًا أن رسول الله عليه السلام هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه، ويوصل الحكم باجتهاده، بعضهم قالوا: ما كان يجتهد بل كان ينتظر الوحي، ومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يعرف نسخه، ومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعه عن الوحي، فإذا انقطع كان يجتهد، فإذا اجتهد صار ذلك شريعة له، فإذا أنزل الوحي بخلافه يصير ناسخًا له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، وكان لا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، وكان يستأنف القضاء في المستقبل.
ذكر الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي» في باب القاضي يقضي بعلمه، إذا قلّد السلطان رجلًا قضاء بلدة كذا، لا يصير قاضيًا في سواد تلك البلدة ما لم يقلده قضاء البلدة ونواحيها، ويكتب في رسمه ومنشوره أنا قلدناه قضاء بلدة كذا ونواحيها. وهذا الجواب إنما يستقيم على رواية «النوادر» ، لأن على رواية «النوادر» المصر ليس بشرط النفاذ القضاء فأما على ظاهر الرواية المصر شرط نفاد (66أ4) القضاء فلا يصر مقلدًا على القرى، وإن كتب في منشوره ذلك.
وإذا علق السلطان القضاء والإمارة بالشرط وأضافهما إلى وقت في المستقبل، بأن قال للرجل إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها إذا أتيت مكة فأنت أمير الموسم، أو قال جعلناك قاضيًا رأس الشهر أو قال جعلتك أمير رأس الشهر فذلك جائز والأصل فيه ما روي أن رسول الله عليه السلام بعث جيشًا وأمر عليه زيد بن حارثة وقال: «إن قتل زيد فجعفر أميركم وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة أميركم» .
وأما تعليق الحكومة بين اثنين وإضافتها إلى وقت في المستقبل، ففيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وسيأتي بيانه في باب التحكيم إن شاء الله تعالى، ويجوز تعليق عزل القاضي بالشرط، إليه أشار في «أدب القاضي» للخصاف في باب ثبوت الخليفة، والمذكور ثمة إذا كتب الخليفة إلى القاضي: إذا وصل كتابي إليك فأنت معزول، فوصل إليه الكتاب انعزل؛ لأن هذا عزل معلق بالشرط، وقد وجد الشرط
وإذا قلد السلطان رجلًا قضاء يوم يجوز وتأقت في هذا وإذا قيده بالمكان يجوز ويتقيد بذلك المكان أيضًا.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «شرح كتاب الصلح» في باب الحكمين وإنه معقول؛ لأنه أنابه فثبت بقدر ما أنابه وللمقلد في هذا التقليد فائدة؛ لأنه عسى يجوز