قال محمد رحمه الله: إذا كاتب الرجل عبده على أن يخدمه شهرًا، القياس: أن لا يجوز، وفي الاستحسان: يجوز.
وجه القياس: أن الخدمة مجهولة الجنس قد تكون في البيت وإنها مختلفة قد تكون طبخًا وقد تكون كنسًا وقد تكون خارج البيت وإنها مختلفة أيضًا، وقد تكون سعيًا وقد يكون تكسير حطب وشراء شيء والتفاوت الكبير يوجب اختلاف الجنس وجهالة الجنس توجب فساد الكتابة.
قال مشايخنا رحمهم الله: ذِكْرُ القياس في الكتابة يكون ذكرَ في الإجارة فيقال فيما إذا استأجر رجلًا ليخدمه شهرًا: أنه لا يجوز قياسًا من طريق الأولى؛ لأن الكتابة أسرع جوازًا من الإجارة.
وجه الاستحسان: أن أعمال الخدمة معلومة فيما بين الناس عرفًا، والمعروف فيما بين الناس كالمشروط، وبهذا جازت الإجارة وإن لم يبين نوع الخدمة، وينصرف مطلق اسم الخدمة إلى ما يعتاد خدمة فيما بين الناس في البيت وخارج البيت فكذا هاهنا قيل أولى؛ لأن الكتابة أسرع جوازًا من الإجارة.
وكذلك إذا كاتبه على أن يخدم فلانًا شهرًا صح استحسانًا لا قياسًا.
ولو كاتب عبده على ألف درهم على أن يؤديها المكاتب إلى غريم له كانت الكتابة جائزة، فرق بين الكتابة وبين البيع، فإنه إذا باع عبده بألف درهم على أن يؤدي المشتري إلى غريم البائع كان البيع فاسدًا، وقد شرط في الموضعين شرطًا لا يقتضي العقد؛ لأن العقد في الموضعين لا يقتضي الأداء إلى غير العاقد، وللمولى والبائع في هذا الشرط فائدة، فإنه يسقط عن نفسه مؤنة القضاء إلى غريمه، والناس يتفاوتون في الاستيفاء أيضًا مع هذا حكم بفساد البيع ولم يحكم بفساد الكتابة.
والوجه في ذلك: أن البيع بمثل هذا الشرط إنما يفسد ليست بالربا لأنه شرط على المشتري لنفسه منفعة ليس بأدائها عوض، والربا ما ملك بالبيع وخلا عن العوض، والربا يفسد البيع، وفي الكتابة لا يصير ربا؛ لأنه خالٍ ما تشترط عليه هذه الزيادة المكاتب عبده؛ لأن العقد يجري بينهما وهو عبد، وحكمه ثبت وهو مكاتب فكان ربا من وجه باعتبار الحكم، ولو لم يكن ربا باعتبار العقد ومثل هذا لا يفسد الكتابة، كما لو كاتب عبدًا له على نفسه مما في يده من المال بألف درهم، وفي يد العبد ثلاثة آلاف درهم.
وكذلك لو كاتبه على ألف درهم على أن يضمها لرجل على من سيده فالكتابة جائزة، ولو كان مكان الكتابة بيعًا بأن باع عبدًا له من رجل بألف درهم على أن يضمن المشتري الثمن عنه لغريم البائع فالبيع فاسد والفرق ما ذكرنا. قال: والضمان جائز