وإن كان الطريق أمينًا إن كانت الوديعة شيئًا لا حمل لها ولا مؤنة فلا ضمان؛ لأن الطريق إذا كان آمنًا كان صالحًا للحفظ فيه قد حفظ الوديعة في مكان صالح للحفظ، والأمر بالحفظ مطلق، فيدخل هذا النوع من الحفظ تحته.
فإذا كانت الوديعة شيئًا له حمل ومؤنة، إن كان لا بد له من المسافرة بها، بأن كان عجز عن الحفظ في المصر الذي أودعه فيه، فإنه لا يضمن عندهم جميعًا، فأما إذا كان له بد من المسافرة بها، فعلى قول أبي حنيفة: لا ضمان؛ قربت المسافة أو بعدت، وعند محمد يضمن قربت المسافة أو بعدت؛ لأن الأمر بالحفظ يقبل بمكان الوديعة عرفًا وعادة إذا كانت الوديعة شيئًا لها حمل ومؤنة حتى لا يلزم صاحب الوديعة الحمل والمؤنة، وعلى قول أبي يوسف: إن قربت المسافة فلا ضمان، وإن بعدت فهو ضامن.
وإذا دفع الرجل إلى غيره وديعة، وقال له: لا تدفعها إلى امرأتك، فإني أتهمها، أو قال: إلى ابنك، أو قال: إلى عبدك، وما أشبه ذلك، فدفع إليه، فإن كان لا يجد المودع بدًا من الدفع إليه بأن لم يكن عيال سواه؛ لم يضمن بالدفع إليه، وإن كان يجد بدًا منه فهو ضامن؛ لأنه خالف شرطًا مفيدًا؛ لأن من في عياله قد يتفاوتون في الحفظ، ولا ضرورة له في ذلك.
المودع إذا وضع الوديعة في حانوته، فقال صاحبها: لا تضعها في الحانوت، فإنه مخوف، فتركها فيه حتى سرق ليلًا، فهذا على وجهين إن لم يكن له موضع آخر أحرز من الحانوت لا يضمن، وإن كان له موضع آخر أحرز من الحانوت فهو ضامن إذا كان قادرًا على الملك.
في «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: رجل دفع إلى رجل مرًّا وقال: اسق به أرضي، ولا تسقِ أرض غيري، فسقى الرجل أرض الآمر، ثم سقى أرض غيره، فضاع المرّ، فهذا على وجهين: إما إن ضاع قبل أن يفرغ من السقي الثاني، أو بعدما فرغ، ففي الوجه الأول يضمن؛ لأنه مودع مخالف، وفي الوجه الثاني لا؛ لأن الساقي أجير أو معين، وكيف ما كان فالمر غير مستأجر ولا مستعار، فإنما هو وديعة، فإذا سقى به أرض غيره، وصار مخالفًا، فإذا هلك قبل أن يفرغ من السقي، فقد هلك في حالة الخلاف، وإذا ترك الاستعمال عاد إلى الوفاق، فيخرج عن الضمان، وحكم الرهن كالوديعة، هذه الجملة في «فتاوى الفضلي» .
وسئل أبو بكر عن أكار لإمرأة قالت له: لا تطرح أنزالي في منزلك، وهو يطرح في منزله في جناية، فهرب من منزله، فرفع السلطان ما كان في منزله؛ قال: إن كان منزله قريبًا من موضع البيدر فلا ضمان عليه؛ لأن حجرها ليس بمعتبر؛ لأن حفظ الكدس وتحصينها كان على الأكار، وقد طرحها في موضع أحسن من البيدر، وأخف مؤنة، فلا يكون ضامنًا.
سئل الفقيه أبو بكر: إذا قال المضيع للتاجر: ضعها في هذا العدل وأشار إليها،