فادفعها إليه، فجاء رجل، وزعم أنه رسول المودع، وأتى بتلك العلامة، فلم يصدقه المودع، ولم يدفعها إليه حتى هلكت الوديعة، فلا ضمان؛ لأنه يتصور أن يأتي غير رسول المودع بتلك العلامة.
رسول المودع إذا جاء إلى المودع، وطلب الوديعة، فقال: لا أدفع إلا إلى الذي جاء بها، فلم يدفعه إليه حتى هلكت؛ ذكر شيخ الإسلام نجم الدين عمر النسفي أنه يضمن، وفيه نظر، فقد ذكر في الكتب في مواضع أن من جاء إلى المودع، وقال: إن فلانًا وكلني بقبض وديعته منك، فصدقه في دعوى الوكالة لا يؤمر بدفع الوديعة إليه، بخلاف ما إذا قال: وكلني بقبض ما له عليك من الدين وصدقه المديون في دعوى الوكالة، فإنه يجبر على دفع الدين إليه.
رجل بعث ثوبًا إلى القصار على يدي تلميذه، ثم بعث إلى القصار أن لا تدفع الثوب إلى من جاءك، ينظر: إن كان الذي جاء بالثوب إلى القصار لم يقل للقصار: هذا ثوب فلان بعثه إليك؛ لا يضمن القصار بالدفع إليه، وإن قال: هذا ثوب فلان بعثه إليك، فإن كان الذي جاء بالثوب متصرفًا في أموره، فكذا (129أ2) لا يضمن، وإن لم يكن متصرفًا في أموره يضمن بالدفع إليه هكذا قيل، وقد قيل: ينبغي أن يضمن، وإن كان متصرفًا في أموره؛ لأنه لما نهى القصار عن دفع الثوب إليه فقد عزله عن هذا النوع من التصرف، والأول أوجه؛ لأن العزل لا يصح من غير علم المعزول، وليس في وضع المسألة أن الذي جاء بالثوب علم بهذا النهي.
في «الأصل» : إذا أمر صاحب الوديعة المودع أن يدفعها إلى رجل بعينه، فقال: دفعتها، وقال ذلك الرجل: لم أقبضها، وقال رب الوديعة: لم يدفعها، فالقول قول المستودع، ولا ضمان على المدفوع إليه، ويعتبر قول المودع في حق براءته عن الضمان؛ لا في حق إيجاب الضمان على المدفوع إليه.
وفيه أيضًا: أودع رجل رجلًا دراهم، فجاء رجل وقال: أرسلني إليك صاحب الوديعة لتدفعها إليَّ، فدفعها إليه، فهلكت عنده، ثم جاء صاحبها، وأنكر ذلك، فالمستودع ضامن لها، وهل يرجع على الرسول بما ضمن؟ إن صدقه المودع في كونه رسولًا، ولم يشترط عليه الضمان لا يرجع، وإن كذبه في كونه رسولًا مع هذا دفع؛ لو لم يصدقه، ولم يكذبه مع هذا دفع، أو صدقه، ودفع إليه على الضمان رجع، ومعنى الضمان ههنا أن يقول المودع للرسول: أنا أعلم أنك رسول، ولكن لا آمن أن يحضر المالك، ويجحد الرسالة، ويضمنني، فهل أنت ضامن فيما تأخذ مني، فإذا قال: نعم، حصلت الكفالة بدين مستحب مضافًا إلى سبب الوجوب، وإنه جائز، فيرجع المودع على الرسول بحكم الكفالة.
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمد: رجل أودع رجلًا ألف درهم، ثم قال: إني أمرت فلانًا بقبضها منك، ثم نهيته بمكاني عن ذلك، فقال المودع: فلان أتاني ودفعتها إليه، وقال فلان: لم آته، ولم أقبضها منه، قال المستودع بريء منها.