درهمان ونصف، والخمسة التي استهلكها كلها صارت مضمونة بالاستهلاك، فيضمن سبعة دراهم ونصف لهذا، ولو قال: ثلاثة من هذه العشرة لك، والسبعة الباقية سلمها إلى فلان، فهلكت الدراهم في الطريق يضمن الثلاث؛ لأنها كانت هبة فاسدة، ولو كان ذلك وصية من الميت لم يضمن شيئًا؛ لأن وصية المشاع جائزة، ولا يضمن في المسألتين جميعًا.
في «المنتقى» إبراهيم بن رستم عن محمد: رجل له على رجل مائة درهم، فدفع المطلوب إلى الطالب مائتي درهم، وقال: هذا مالك فخذها فأخذها فضاعت، والآخذ لا يعلم كم هي؛ قال أبو حنيفة: لا شيء عليه، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه مائة درهم، فالكلام لأبي حنيفة ظاهر، وأما الكلام لهما: أن إحدى المائتين مقبوض بجهة اقتضاء الدين، والمقبوض بجهة الشيء يلحق بحقيقة ذلك الشيء؛ عرف ذلك في موضعه، والمقبوض بحقيقة الاقتضاء مضمون؛ لما عرف أن الديون تقضى بأمثالها، فكذا المقبوض بجهة اقتضاء الدين.
وذكر بعد هذه المسائل مسائل هشام عن محمد: رجل له على رجل ألف درهم دين، أعطاه ألفين، وقال: ألف منها قضاء من حقك، وألف تكون وديعة، فقبضها، وضاعت، وقال: هو قابض حقه، ولا يضمن شيئًا؛ لأن في هذه الصورة القبض بجهة الاقتضاء حصل بقدر الألف لا غير.
وفيه أيضًا: رجل له على رجل ألف درهم، فقال: ابعث بها مع فلان، فضاع من يد الرسول، فضاع من مال المديون، وهذا بناءًا على أن يد الرسول يد المديون؛ لأن اختيار الرسول إليه؛ لأن يبعث مال نفسه، ويقول رب الدين: ابعث بها على يد فلان؛ لا يلزمه البعث على يديه، فهو معنى قولنا: إن يد الرسول يد المديون، فلهذا كان الهلاك على المديون.
في «فتاوى النسفي» : أمة أسرت شيئًا من مال اكتسبته في بيت المولى، وأودعته عند رجل، فهلكت في يده، فللمولى أن يضمن المودع؛ لأنها مال المولى أودعته بغير إذن المولى، فكان المودع مودع الغاصب، فيضمن، والله أعلم بالصواب. تم كتاب الوديعة بحمد الله تعالى.