صحيحة؛ لأن الصحة أصل، ويكون إقرارًا بقبض الموهوب له؛ لأن قبض الموهوب له بمنزلة الركن والإقرار بالركن، وذكر في «العيون» : أن من قال لآخر: وهبت لي ألف درهم ثم قال بعد ما سكت: لم أقبضها فالقول قوله؛ لأن الهبة هبة بدون القبض، والإقرار بالهبة لا يكون إقرارا بالقبض، وهذا الذي ذكر في «العيون» أشبه بالفقه وأقرب إلى ما ذكر في أيمان «الجامع» في «فتاوي سمرقند» بأن عبد بين رجلين وهب أحدهما شيئًا لهذا العبد فهذا على وجهين:
إن كان الموهوب شيئًا يحتمل القسمة لا تصح الهبة أصلًا، لما لم تصح في نصيب الواهب حصل في نصيب غير الواهب مشاع يحتمل القسمة، وفي الوجه الثاني: يصح في نصيب صاحبه؛ لأن حصل مشاعا لايحتمل القسمة، اشترى من آخر دارا ووهبها من غيره لم يجز في قول أبي يوسف، وعند محمد: يجوز. فرّق بين الهبة وبين الإجارة والبيع. في القدورى في كتاب البيوع في «الأصل» : وإذا وهب جاريتين فولدت إحداهما فعوضه الولد عنهما لم يكن له أن يرجع في واحد منهما؛ لأنه عوضه ملك نفسه، ولم يرد عليه الهبة أصلًا.
وفيه: وهب لمكاتب هبة ثم أراد أن يرجع فيها فله ذلك، وفيه نوع إشكال؛ لأن المكاتب فقير، والهبة من الفقير صدقة لا رجوع فيها، والجواب: المكاتب فقير ملكًا لا إما غني غنيًا يدًا والهبة لا تنفك عن قصد العوض بمال إما بمنافعه أو كسبه كالهبة من العبد، فإذا لم يحصل له العوض كان له الرجوع، فإن عجز المكاتب أو عتق فله أن يرجع فيها إذا عتق ولا يرجع فيها إذا عجز، وهذا قول محمد، وقال أبو يوسف له: أن يرجع في الوجهين جميعًا.
قال في «الأصل» أيضًا: رجل عتق ما في بطن جاريته ثم وهب الجارية من رجل وسلمها إليه جازت الهبة في الأم، ولو باعها لم يجز، قال في «الكتاب» : ألا ترى لو باع جارية حاملا واستثنى ما في بطنها لم يجز البيع، ولو وهبها واستثنى ما في بطنها جازت الهبة في الأم والولد.
ووجه الاستشهاد: أن الولد في مسئلتنا صار مستثنيا عن البيع، والهبة شرعًا، فيعتبر ما كان مستثنيًا، واستثناء الولد شرط يبطل البيع ولا يبطل الهبة فكذا استثناؤه شرعًا، إذا أودع الرجل رجلا شيئًا من الأشياء لقيه فوهبه إليه، وليس الشيء بحضرتهما فالهبة جائزة. إذا قال الموهوب له: قبلت، ولا يحتاج فيه إلى قبض جديد، وكذلك هذا في العارية والإجارة فقد اعتبر قبض الوديعة نائبًا عن قبض الهبة ولم يعتبره نائبًا عن قبض المشتري، والأصل فيه: أن القبضين إذا تجانسا ينوب أحدهما عن الآخر، وإذا اختلفا ناب الأعلى عن الأدنى ولا ينوب الأدنى عن الأعلى، قلنا: وقبض الوديعة مع قبض الهبة تجانسا؛ لأن كل واحد منهما قبض أمانة، أما قبض الوديعة مع قبض الشراء تغايرا؛ لأن أحدهما قبض أمانة والآخر قبض ضمان، وقبض العارية والإجارة كل واحد منهما قبض أمانة والله أعلم.