فالذي يوجب التحالف: أن يدعي أحد المتقاسمين غلطًا في مقدار الواجب بالقسمة على وجه لا يكون مدعيًا الغصب بدعوى الغلط.
كمئة شاة بين رجلين اقتسما، ثم قال أحدهما لصاحبه: قبضت خمسة وخمسين غلطًا، وأنا ما قبضت إلا خمسة وأربعين، وقال الآخر: ما قبضت شيئًا غلطًا، وإنما اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين ولك خمسة وأربعين، ولم يقم لواحد منهما بينة، فهذا هو صورة دعوى الغلط في القسمة من غير دعوى الغصب؛ وهذا لأن غصب أحد العاقدين المعقود عليه من العاقد الآخر لا يتصور قبل قبض العاقد الآخر إياه منه، فإن البائع إذا منع المبيع من المشتري بعد نقد الثمن لا يصير غاصبًا حتى لو هلك قائمًا يهلك بالثمن كما قبل البيع، وإنما وجب التحالف؛ لأن القسمة بمعنى البيع، وفي البيع إذا وقع الاختلاف في مقدار المعقود عليه يتحالفان إذا كان المعقود عليه قائمًا، فكذا في القسمة يتحالفان إذا كان المقسوم قائمًا بعينه. وهذا كله إذا لم يسبق منهما إقرار باستيفاء الحق، فأما إذا سبق لا تسمع دعوى الغلط إلا من حيث الغصب.
والذي لا يوجب التحالف: أن يدعي الغلط في مقدار الواجب بالقسمة على وجه يكون مدعيًا الغصب بدعوى الغلط، بأن قال في المسألة: الشياة قسمتا بالسوية وأخذنا، ثم أخذت خمسة من نصيبي غلطًا، وقال الآخر: ما أخذت شيئًا من نصيبك غلطًا ولكن اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين، ولك خمسة وأربعين، ولا بينة لواحد منهما، فإنهما لا يتحالفان، ويجعل القول قول المدعى عليه الغلط.
وإن اختلفا في الحاصل في مقدار الواجب بالقسمة كما في المسألة الأولى وإنه يوجب التحالف؛ وذلك لأن بهذا الاعتبار إن كان يجب التحالف فباعتبار دعوى الغصب لا يجب التحالف كما في سائر المواضع، والتحالف أمر عرف بخلاف القياس، فإذا وجب من وجه دون وجه لا يجب؛ ولأنهما تصادقا على تمام القسمة وصحتها، وأحد الاعتبارين يوجب الفسخ بالتحالف، والآخر يمنع فلا يفسخ بالشك.
قال محمد رحمه الله: إذا اقتسم القوم أرضًا أو دارًا بينهم، وقبض كل واحد منهم حقه من ذلك، ثم ادعى أحدهما غلطًا، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال في ذلك: لا تعاد القسمة حتى يقيم البينة عل ما ادعى، فإذا أقام البينة اعيدت القسمة فيما بينهم حتى يستوفي كل ذي حق حقه، وكان لا يجب أن لا تعاد القسمة؛ لأن وضع المسألة أن كل واحد قبض حقه، ودعوى الغلط بعد القبض دعوى الغصب.
وفي دعوى الغصب يقضى للمدعي بما قامت البينة عليه، ولا تعاد القسمة، والجواب عن هذا أن يقال: إن محمدًا رحمه الله ذكر إعادة القسمة عند إقامة المدعي البينة على دعوى الغلط، ولم يبين كيفية الدعوى، فيحمل دعواه على وجه يجب إعادة القسمة عند إقامة البينة.l
وبيان ذلك الوجه: أن يقول مدعي الغلط لصاحبه: قسمت الدار بيننا بالسوية على أن يكون لي ألف ذراع ولك ألف ذراع من نصيبين من مكان بعينه غلطًا، ويقول الآخر: