فعثرت الدابة من حمله فهو ضامن؛ لأنه خالف، لأن الصبي الذي لا يستمسك نفسه على الدابة ضمن نصف القيمة، فثبت أن وضع الصبي على الدابة حمل، وليس إركاب، والحمل مع الركوب جنسان مختلفان، فصار به غاصبًا ضامنًا.
وإذا استأجر حمارًا بسرج، فأسرجه بسرج لا يسرج بمثله الحمر، فهو ضامن بقدر ما زاد باتفاق الروايات بالإجماع، لأنه موافق في البعض صورة ومعنى؛ لأنه أسرج كما شرط في العقد، إلا أن هذا السرج أثقل من الذي شرط في العقد، فهو بمنزلة ما لو استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فحمل عليها أحد عشر مختومًا. وإن كان السرج الثاني أخف من الأول، أو مثله فلا ضمان؛ لأنه ليس بمخالف معنى وكذلك لو استأجره بإكاف، تنزع ذلك الإكاف وأوكفه بإكاف هو أخف من الأول، أو مثله فلا ضمان، وإن أوكفه بإكاف هو أثقل ضمن بقدر الزيادة، وإذا استأجر حمارًا بإكاف ليركبه، فنزع الإكاف وأسرجه، فلا ضمان ولأن السرج أخف على الدابة من الإكاف، فلم يكن هذا خلافًا معنى.
ولو استأجر حمارًا بسرج فحمل عليه مكان السرج إكافا وركبه، فهو ضامن هكذا ذكر في «الجامع الصغير» قالوا: هذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: هو ضامن بقدر ما زاد، وذكر في «الأصل» وقال: هو ضامن بقدر ما زاد ولم يذكر الخلاف، فمن مشايخنا من قال: لا اختلاف بين الروايتين عند أبي حنيفة، فإنه ذكر في «الجامع الصغير» أن قول أبي حنيفة هو ضامن ولم يذكر أنه ضامن جميع القيمة أو بقدر ما زاد، فصار ما ذكر في «الأصل» تفسيرًا لما ذكر في «الجامع الصغير» . ومنهم من قال: في المسألة روايتان على قول أبي حنيفة على رواية «الأصل» يضمن بقدر ما زاد، هو قولهما. وعلى رواية «الجامع الصغير» يضمن جميع القيمة، وهذا إذا كانت الدابة تؤكف بمثل هذا الإكاف، أما إذا كانت دابة لا تؤكف أصلًا أو لا يؤكف بمثل هذا الإكاف؛ يضمن جميع القيمة في قولهم جميعًا.s
وكان الفقيه أبو بكر محمد رحمه الله يوفق بين الروايتين، ويقول: رواية «الجامع الصغير» محمولة على دابة تصلح للإكاف والسرج وبرواية «الأصل» محمولة على دابة لا تصلح للإكاف. ومن المشايخ من لم يوفق بين الروايتين من هذا الوجه، وذكر لكل رواية وجهًا. وجه ما ذكر في «الأصل» وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أن المستأجر فيما يسع، موافق في البعض صورة ومعنى، ومخالف في البعض معنى؛ لأن الإكاف والسرج جنس واحد؛ لأن كل واحد منهما آلة الركوب، وكل واحد منهما متخذ من الخشب، إلا أن الإكاف أثقل من السرج، فكان بمنزلة ما لو حمل عليها سرجًا آخر أثقل من السرج المأمور به.
وجه ما ذكر في «الجامع الصغير» وهو الأصح: أنه مخالف في الكل صورة ومعنى؛ أما صورة: فلأن الإكاف غير السرج صورة واسمًا وهيئة. وأما معنى: فلأن الإكاف أثقل من السرج على الدابة، فكان مخالفًا صورة ومعنى؛ فيضمن جميع قيمة الدابة إذا هلكت