الطلاق الرجعي، فالقاضي لا يحول بينها وبين الزوج، فهاهنا أولى.
وإن كان الطلاق بائنًا إن قالت المرأة: شاهدي الآخر غائب وليس في المصر، فكذلك الجواب لا يحول بينها وبين الزوج؛ لأن في الحيلولة بينها وبين الزوج إزالة يد الزوج واليد مقصود كالملك، فكما لا يزال بشهادة الواحد ملك الإنسان، فكذا لا تزال يده بشهادة الواحد.
وإن قالت: شاهدي الآخر في المصر إن كان الشاهد الحاضر فاسقًا، فكذلك الجواب لا يحال بينها وبين زوجها؛ لأن شهادة الفاسق ليست بحجة أصلًا، لا في حقوق الله تعالى ولا في حقوق العباد، فصار وجودها والمعدوم بمنزلة.
فأما إذا كان عدلًا قال في «الأصل» : يؤجلها ثلاثة أيام وإن حال بينها وبين زوجها فحسن، هكذا ذكر في «الأصل» . وذكر في «الجامع» بخلافه، وسيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
أما يؤجله ثلاثة أيام؛ لأنه لا يمكن لكل مدع إحضار شهوده جمله في أول المجلس، ولا بعد يوم ولا بعد يومين ويمكنه الإحضار بعد أيام، فقدرنا بالثلاثة على ما عرف، وأما الحيلولة بطريق الاستحباب؛ لأن إيقاع الطلاق البائن يوجب تحريم الفرج وإزالة ملك الزوج، وشهادة الواحد إذا كان عدلًا حجة في حقوق الله تعالى وليست بحجة في حقوق العباد، فاعتبار حق الله تعالى يوجب الحيلولة واعتبار حق الزوج لا يوجب، فاستحب الحيلولة.j
ولم يوجب إذا كان الشاهد الآخر في المصر؛ لأنه متى كان في المصر لا تطول هذه الحيلولة، ولا يتضرر الزوج بها كثير ضرر، فأما إذا كان غائبًا فمدة الحيلولة تطول ويكثر الضرر على الزوج، فاعتبر حق الزوج في هذه الحالة ولم يعتبر حق الله تعالى، وإذا كان مدة الحيلولة لا تطول راعى الجهتين بقدر الممكن، فقال: إن حال كان حسنًا.
فأما إذا أقامت شاهدين على الطلاق البائن أو على الطلقات الثلاث لم يذكر هذا الفصل في «الأصل» . وذكر في «الجامع» أن القاضي يمنع الزوج عن الدخول عليها والخلوة معها ما دام مشغولًا بتزكية الشهود، وهذا استحسان والقياس أن لا يحول بينهما؛ لأنها امرأته بعد.
وجه الاستحسان: أن الشهود يحتمل أن يكونوا صدقة وعلى هذا التقدير يجب المنع، فوجب المنع احتياطًا لأمر الفرج ولا يخرجها القاضي من منزل زوجها؛ لأن تيقنًا إخراجها؛ لأنها منكوحة أو معتدة، وأيًا ما كانت يحرم إخراجها، ولكن يجعل القاضي معها امرأة أمينة تمنع الزوج من الدخول عليها، وإن كان الزوج عدلًا.
فرق بين هذا وبينما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا ومنزله ضيق، فجعل بينهما سترة أو حائلًا يكتفى به، ولا يحتاج إلى امرأة أمينة إذا كان الزوج عدلًا، والفرق بينهما أن الزوج في مسألتنا ينكر الحرمة ويستحلها، والعدل لا يمتنع عما يستحله بدينه، أما في تلك المسألة الزوج يعتقد الحرمة فلا يخاف عليها إذا كان عدلًا ونفقة الأمينة في بيت المال؛ لأنها مشغولة بمنع الزوج عن الدخول عليها حقًا لله تعالى، فتكون نفقتها في مال الله