اشتراها من فلان وهو يملكها فقد أقر بالملك لفلان إما صريحًا أو بمقتضى الإقدام على الشراء، فإن كل مشتر مقر بالملك في المشترى للمشتري وقت البيع، ثم يدعي الانتقال إليه، ولم يثبت الشراء ههنا؛ لأن الشهود لم يشهدوا به، وهذا إذا ادعى الشراء من رجل معروف.
فأما إذا ادعى الشراء من رجل مجهول ثم أقام البينة على الملك المطلق تقبل شهادتهم؛ لأن أكثر ما فيه أنه صار مقرًا بالملك لبائعه إلا أن هذا الإقرار منه لم يصح، لأنه أقر بالملك للمجهول والإقرار للمجهول باطل، فصار كأنه لم يقر له بالملك ولم يدع الشراء منه أصلًا، وهناك تقبل منه البينة على الكلام المطلق كذا ههنا، بخلاف ما إذا ادعى الشراء من رجل معروف؛ لأن هناك الإقرار للبائع بالملك صح لكونه إقرارًا للمعلوم، ثم ادعى الانتقال إلى نفسه بالشراء ولم يثبت بالشراء إذ الشهود لم يشهدوا به، فلو كان المدعي ادعى الملك لنفسه مطلقًا، وشهد الشهود له بالسبب فالقاضي يقبل شهادتهم.
أما على المعنى الأول: فلأن الشهود شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي؛ لأنهم شهدوا بملك حادث والمدعي ادعى ملكا قديمًا، والشاهد إذا شهد (145أ4) بأقل ما ادعى المدعي تقبل شهادته.
يوضيح الفرق بينهما: أن الملك القديم يجوز أن يصير ملكًا حادثا؛ لأن المملوك أول من أمس يجوز أن يصير مملوكًا أمس ملكًا حادثًا بسبب حادث، بأن يبعيه ثم يشتريه، فالتوفيق بين الدعوى والشهادة ممكن فتقبل الشهادة، أما الملك الحادث فلا يجوز أن يصير ملكًا قديمًا؛ لأن المملوك أمس لا يتصور أن يصير مملوكًا من أمس، فالتوفيق بين الدعوى والشهادة غير ممكن فلا تقبل الشهادة.
وأما المعنى الثاني: فلأنه ما أقر بالملك لغيره، إنما ادعى الملك لنفسه ملكًا مطلقًا، والشهود شهدوا له بالملك إلا أنهم زادوا في الشهادة سبب الملك، وزيادة سبب الملك في الشهادة لا توجب خللًا في الشهادة، لأنا نعلم أنه لابد للملك من سبب فقد بينوا ما هو معلوم من غير شهادتهم، فلا يوجب خللًا في شهادتهم.
ثم إذا ادعى الملك مطلقًا والشهود شهدوا بالملك بسبب، ينبغي للقاضي أن يسأل المدعي: أتدعى الملك بهذا السبب الذي شهد به الشهود أو تدعيه بسبب آخر؟ إن قال: أدعيه بهذا السبب فالقاضي يقبل شهادة شهوده ويقضي له بالملك.
ولو ادعى الشراء مع القبض وشهد له الشهود بالملك المطلق ففيه اختلاف المشايخ: بعضهم قالوا: تقبل الشهادة؛ لأن دعوى الشراء مع القبض ليس دعوى الشراء من حيث المعنى، بل هو دعوى الملك المطلق، ألا ترى أنه لو كان هذه الدعوى من جهة البائع كان دعوى الثمن لا دعوى البيع، حتى لا يشترط لصحة هذه الدعوى إعلام المبيع حتى إن من قال لغيره: بعت منك عبدًا بكذا وسلمته إليك، صح دعواه وإن كان العبد مجهولًا، فكذا من جانب المشتري يكون دعوى الملك المطلق، ولما كان دعوى الشراء