المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذين الحديثين قد اختلفا. ففي حديث البراء أن أبا بكر طلب من الغلام (الراعي) أن يحلب له من ألبانها، فأجابه وهو غير مالك لها. وأن الغنم ملك لرجل سماه، وعرفه أبو بكر، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما نهى عن حلب الماشية إلا بإذن صاحبها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قال المهلب بن أبي صفرة (1) إنما شرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من لبن تلك الغنم؛ لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة، ولا يعارضه (2) حديث (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) (3) ؛لأن ذلك وقع في زمن التشاح، أو الثاني محمول على التسور والاختلاس (4) ، والأول لم يقع فيه ذلك، بل قدم أبو بكر سؤال الراعي هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله، هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك، والإذن في الحلب على المار، ولابن السبيل، فكأن كل راع مأذونا له في ذلك، وقال الداودي: إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل، وله شرب ذلك إذا احتاج، ولا سيما النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبعد من قال: إنما استجازه لأنه مال الحربي؛ لأن القتال لم يكن فرض بعد، ولا أبيحت الغنائم] (5)
وقال ابن بطال (6) رحمه الله: [سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصدِّيق لشرب اللبن من ذلك الراعي، فقال لي: يحتمل أن يكون الشارع قد
(1) أبو سعيد، المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي. قال الذهبي: الأمير البطل، قائد الكتائب. قيل: توفي المهلب غازيا بمرو الروذ، في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وقيل: في سنة ثلاث. انظر: وفيات الأعيان 5/ 350، وسير أعلام النبلاء 4/ 383، والإصابة 6/ 386
(2) يريد حديث البراء - رضي الله عنه - السابق
(3) سبق تخريجه.
(4) الخَلْس: الأخذ في نهزة ومخاتلة، والاختلاس كالخلس، وقيل: الاختلاس أوحى من الخلس وأخص. لسان العرب 6/ 65
(5) فتح الباري 8/ 324
(6) ابن بطال شارح صحيح البخاري، العلامة أبو الحسن، علي بن خلف بن بطال البكري القرطبي ويعرف بابن اللجام. قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة، شرح الصحيح في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضي بحصن لورقة. توفي في صفر سنة 449. انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 47