هذا الوجه موصولا يذكر كعب بن مالك فيه، وللبيهقي (1) من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها نحوه مطولا، وفيه: (فصَلًّت طائفة إيمانا واحتسابا، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا) ، وهذا كله يؤيد رواية البخاري في أنها العصر، وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين: باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها: لا يصلين أحد العصر، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها: العصر، وكلاهما جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديث؛ لأنه عند الشيخين كما بيناه بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده قد حدث به على الوجهين، إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، ولم يوجد ذلك، ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض رواته، فإن سياق البخاري وحده مخالف لسياق كل من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، وعن عمه جويرية، ولفظ البخاري: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعنف واحدا منهم) (2) ولفظ مسلم، وسائر من رواه: (نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف عن الأحزاب: أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا من الفريقين) (3) فالذي يظهر من تغاير اللفظين: أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه، لما حدث به البخاري، حدث به على هذا اللفظ ولما حدث به الباقين، حدثهم به على اللفظ الأخير، وهو اللفظ الذي حدث به جويرية، بدليل موافقة أبي عتبان له عليه، بخلاف اللفظ الذي حدث به البخاري، أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا، وإنما لم أجوز عكسه؛ لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي له تؤيد الاحتمال الأول، وهذا كله من حيث حديث ابن عمر، أما
(1) في دلائل النبوة 4/ 8
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.