فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 559

وأخرى تحصى تيارات الأنهار ومساقط المياه إلى غير ذلك من دقيق الآلات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من الأعمال إلا تكتبها وتحصيها.

وكلما تقدمت العلوم وكشفت ما كان غائبا عنا كان في ذلك تصديق أيّما تصديق لنظريات الدين ، ووسيلة حافزة إلى الاعتراف بما جاء فيه مما يخفى على بعض الماديين الذين لا يقرّون إلا بما يرونه رأى العين ، ولا يذعنون إلا بما يقع تحت حسهم ، وبهذا يصدق قول القائل (الدين والعقل في الإسلام صنوان لا يفترقان ، وصديقان لا يختلفان) .

(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي هم يحفظونه بأمر اللّه وإذنه وجميل رعايته وكلاءته ، فكما جعل سبحانه للمحسوسات أسبابا محسوسة ربط بها مسبباتها بحسب ما اقتضته حكمته ، فجعل الجفن سببا لحفظ العين مما يدخل فيها ، فيؤذيها ، كذلك جعل لغير المحسوسات أسبابا ، فجعل الملائكة أسبابا للحفظ ، وأفعاله تعالى لا تخلو من الحكم والمصالح.

وكذلك جعل لحفظ أعمالنا كراما كاتبين وإن كنا لا ندرى ما قلمهم وما مدادهم ؟

وكيف كتابتهم ؟ وأين محلهم ؟ وما حكمة ذلك ؟ مع أن علمه تعالى بأعمال الإنسان كاف في الثواب والعقاب عليها ، وقد يكون من حكمة ذلك أنه إذا علم الإنسان أن أعماله محفوظة لدى الحفظة الكرام كان أجدر بالإذعان لما يلقاه من ثواب وعقاب يوم العرض والحساب. [1]

10-كتابة الأعمال:

وكَّل الله بكل إنسان ملكين حاضرين عن يمينه وشماله ملازمين له ، لا يفارقانه لحظة من الزمان، يحصيان عليه كل أقواله وأفعاله، بل ويعلمان همَّه بالحسنة والسيئة ، وقد بين القرآن ذلك فقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (18) سورة ق

وهو بيان شارح لوظيفة الجنديين القاعدين عن يمين الإنسان وعن شماله .. فهما واقفان للإنسان بالمرصاد .. ما يلفظ من قول إلا كان على هذا القول « رقيب » أي مراقب ، يسمع ما يقال ، ويسجله ، وهو « عتيد » أي حاضر دائما لا يغيب أبدا .. وليس رقيب وعتيد ، اسمين للملكين القائمين على الإنسان ، الموكلان به ، وإنما ذلك وصف لكلّ منهما ، فكل منهما رقيب يقظ ، حاضر أبدا .. [2]

وعَنْ كِنَانَةَ الْعَدَوِيِّ ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَكٍ ؟ قَالَ:"مَلَكٌ عَلَى يَمِينِكَ عَلَى حَسَنَاتِكَ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ ، فَإِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِلَّذِي عَلَى"

(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (13 / 76) وانظر التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (7 / 80)

(2) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 479)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت