فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، ذَكَرْت الدَّجَّالَ ، قَالَ: فَلاَ تَبْكِي فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ أَكْفِيكُمُوهُ ، وَإِنْ أَمُتْ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مَعَهُ يَهُودُ أَصْبَهَانَ ، [1] فَيَسِيرُ حَتَّى يَنْزِلَ بِضَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ ، وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ شِرَارُ أَهْلِهَا ، فَيَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ لُدَّ ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ ، ثُمَّ يَمْكُثُ عِيسَى فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً إمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا.» ، ثم حكى عن البيهقي أنه اعتمد رواية"أربعين"، كما نقل عن السيوطي أنه ذهب إلى ترجيحها ؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها ، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم ، ولأنه مثبت والمثبت مقدم [2]
ولعل الراجح أن يقال: إن رواية"أربعين سنة"هي المعتمدة ؛ لأنها رواية الأكثر ، كما أشار إلى ذلك السفاريني ، ولعل هذه السنين تمر كأنها سبع سنين ، ويستأنس لذلك بما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } ( سورة الزخرف ، الآية: 61 ) . قال: خروج عيسى ، يمكث في الأرض أربعين سنة ، وتكون تلك الأربعون كأربع سنين ، يحج ويعتمر . والله أعلم . [3]
=سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام ، وهي تدل دلالة واضحة على ثبوت نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ، ولا حجة لمن ردها أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة أو أن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها ؛ لأنه إذا ثبت الحديثُ وجبَ الإيمانُ به وتصديقُ ما أخبر به الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز لنا ردُّ قوله لكونه حديث آحاد ؛ لأن هذه حجةٌ واهيةٌ ؛ لأن حديث الآحاد إذا صح - واحتفت به القرائن- وجبَ تصديقُ ما فيه ، وإذا قلنا إنَّ حديث الآحاد ليس بحجةٍ ، فإننا نردُّ كثيرا من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويكون ما قاله عليه الصلاة والسلام عبثًا لا معنى له ، كيف والعلماء قد نصُّوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام .
قَالَ عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ الْعَطَّارُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ:"أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ , وَتَرْكُ الْبِدَعِ , وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ , وَتَرْكُ الْخُصُومَاتِ وَالْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ , وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ , وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ , وَهِيَ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ , وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ , وَلَا تُضْرَبُ لَهَا الْأَمْثَالُ , وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلَا الْأَهْوَاءِ , إِنَّمَا هِيَ الِاتِّبَاعُ وَتَرْكُ الْهَوَى , وَمِنَ السُّنَّةِ اللَّازِمَةِ الَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً لَمْ يَقُلْهَا وَيُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ"
(1) - مصنف ابن أبي شيبة - (15 / 134) (38629) صحيح
(2) - لوامع الأنوار البهية ( 2 / 99 ) .
(3) - انظر: الدر المنثور: ( 6 / 20 )