فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 151

علل بأنه كان ناسيًا فيلحق بالأكل والشرب بقية المفطرات يجامع النسيان ولذلك جاء في رواية محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة) . وقد اختلف في صحة هذا الخبر وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصحة وقوله (من أفطر) تشمل الأكل والشرب والجماع، وهذا الصواب من مذاهب العلماء أن من أكل أو شرب أو جامع ناسيًا فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول عليه القضاء ولا كفارة، والإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول إن أكل أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة، وإن جامع ناسيًا فعنه أنه بمنزلة الأكل والشرب وعنه عليه القضاء والكفارة. الصواب في هذا ما ذهب إليه الحسن البصري ومجاهد والشافعي وأحمد في رواية وشيخ الإسلام وبن القيم وجماعة من الأئمة بأن من أكل أو شرب أو جامع ناسيا فليتم صومه.

وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (وقال عطاء إن استنثر فدخل الماء في حلقه فلا بأس) وقيد ذلك فقال (إن لم يملك) ، وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى (إن دخل حلقه ذباب فلا شيء عليه) ثم قال: (وقال الحسن ومجاهد إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه) إذن إذا أفطر ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة سواء كان بأكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك من المفطرات التي ذهب إليها بعض العلماء وكان التمثيل بالأكل والشرب والجماع لأن هذه الأمور هي المجمع عليها وما عدا ذلك فمختلف فيه باستثناء الحيض فإنه مجمع على أنه من المفطرات.

قوله (فإنما هو رزق رزقه الله) واللفظ المحفوظ (فإنما أطعمه الله وسقاه) أي هذه منّة من الله عليه حيث أطعمه الله وسقاه ولا يؤاخذه بذلك، ويؤخذ من ذلك التفريق بين العامد وبين الناسي، ويؤخذ من هذا يسر الشريعة وسماحتها، وأن اليسر متمش مع الأدلة الشرعية ويستمد يسر الشريعة من الكتاب ومن السنة ولا يرجع في ذلك إلى الأهواء المظلة وإلى تحكيم العقول كالذين يقدمون على مخالفة الأدلة القطعية تحت غطاء ومسمى سماحة الشريعة، ويؤخذ من يسر الشريعة والسماحة أن من لم يجد الماء تيمم، وأن من أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره، وأن من عجز أن يصلي قائما صلى جالسا وإن عجز أن يصلي جالسًا صلى مضطجعًا، وأن من أكل وشرب ناسيًا فليتم صومه، ونظير هذا من فعل محظورًا من محظورات الإحرام ناسيًا أو جاهلا فلا شيء عليه، هذا يؤخذ منه يسر الشريعة وسماحته، أما أن تأتي الأدلة القطعية فنخالفها تحت غطاء مسمى يسر الشريعة والسماحة ونحو ذلك فهذا ضرب من الغلط قد قال تعالى {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} النساء14،فيه طائفة من الفقهاء يفرقون بين النسيان وبين الجهل ويقولون بأن الخبر جاء في النسيان. ولم يأت في الجهل يرون أن من أكل أو شرب أو جامع ناسيًا فإنه معذور وإذا كان جاهلًا فإنه لا يعذر لأن العلم فرض عليه فقد فرط في ذلك ومنهم من سوّى بينهما بشرط أن يكون الجهل مقبولا بمعنى أنه لا يكون الجهل ناتجا عن تفريط وإعراض لأن الجهل قد ينتج عن تأويل أو غفلة عن السؤال، لأنه لا يتصور وجوده وإن كان قد يكون طالب علم أو لا يتصور دخول هذه المسألة في الحكم فيكون هذا الجاهل جهلًا نسبيًا، النووي رحمه الله تعالى يرى أن الجاهل المعذور هو حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية وأما من يعيش بين المسلمين فيهم العلماء وطلبة العلم فإنه لا يعذر. وطائفة من العلماء لا يفرقون في هذا الباب بين المسائل الفقهية والمسائل العقدية والحديث في هذا الباب عن حكم فقهي.

ما حكم من أكل أو شرب أو جامع جاهلًا، والصواب في هذا الباب التفريق بين الحكم عليه بالفطر وبين التأثيم بمعنى أنه يعذر بجهله بحيث لا يؤمر بالقضاء وإن كان هذا الجهل ناتجًا عن تساهل فإنه يأثم بذلك فلا تلازم بين رفع القضاء وبين رفع الإثم فيكون آثمًا لتفريطه بالتعلم معذورا لاتصافه بالجهل وأن الله لا يؤاخذه بذلك بمعنى أن الله لا يأمره بالإعادة وذلك في قوله جل وعلا) رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) [البقرة/286] ،منهم من قال على قول الله جل وعلا (قد فعلت) أي في الإثم دون الإعادة ومنهم من يعكس القضية في بعض الصور وعلى كل ليس الشأن في تقرير المسألة الكلية بقدر ما هو تقرير هذه المسألة المطروحة في هذا الباب، الصواب أن الجاهل في حكم يأخذ حكم الناسي ولكن إن كان جهله ناتجًا عن تساهل في التعلم فإنه لا يؤمر بالقضاء ولكن يأثم في تفريطه في العلم الواجب، والعلم نوعان: علم مشروع وعلم غير مشروع، والمشروع ينقسم إلى أقسام منه ما هو فرض عين كتعلم أحكام التوحيد وأحكام الصلاة والزكاة عند من عنده مال والصيام عند من وجب عليه الصيام والحج على من يريد الحج تعلم هذه الأحكام فرض عين. النوع الثاني / فرض كفاية إذا قام بذلك البعض سقط الإثم عن الباقين كأحكام البيوع، إن تعلم هذه المسائل فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت