ما رآه وأنه قد غلط في الرؤية، إذًا كيف توضع المراصد التي تقرب الآف الكيلوات ولا يرى ثم يأتي شخص بالعين المجردة يدعي أنه قد رآه، نحن لا ننفي الرؤية لكن نقول أن الرؤية غير صادقة، إن الرؤية في هذا المجال غير صادقة، وإلا في الأصل هو اعتبار الرؤية، ولكن حين دلت قرينة على أن هذا الرائي قد غلط فنحن لا نقبل شهادته.
قوله (أحصوا هلال شعبان لرمضان) : ففيه وجوب التحري وفيه وجوب الترائي ودلت على ذلك الأدلة الأخرى كقوله صلى الله عليه وسلم"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، القاعدة تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأفادت الرواية الأخرى رواية محمد بن عمرو ويحي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا شهر رمضان) تقدم شرحه بدرس الأمس وأنه يحرم تقدم شهر رمضان بيوم ولا يومين إذا كان لمعنى رمضان، أما من كان له عبادة يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو أراد أن يصوم كل شعبان إلا قليلًا فيكون قد ترك الصيام أول الشهر فصام أخره أو كان عليه صيام قضاء أو صيام نذر أو كفارة فلا حرج من هذا.
وفيه الشمولية في هذه الشريعة حيث لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ببيان وبتوضيح، فإن الأحكام الشرعية لم توكل لآراء والاجتهادات والأقيسة النصوص واضحة لكن يبقى ما وراء ذلك من فهم النص ومعرفته وإلحاق النظير بنظيره، وهذا دور العلماء، وهذا هو الذي يميز العلماء عن غيرهم والعلماء يتفاوتون في هذا الباب، يتفاوتون في الفهم يتفاوتون في الفقه يتفاوتون في معرفة صحة الحديث من ضعفه وعلى كل فالعلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا لا دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا هذا العلم، ولذلك يقول العز بن عبدالسلام رحمه الله: يجب على العلماء مثل ما وجب على الأنبياء"أي من التبليغ ونشر العلم وقول الحق ونحو ذلك، الناس بدون علماء ليس لهم أي قيمة لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: لولا العلماء لكان الناس مثل البهائم."
وحين سُئل سعيد بن جبير رحمه الله: ما هلاك الناس؟ قال: موت علمائهم.
في الصحيحين من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، وفي رواية لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا بغير عل فضلوا وأضلوا"."
ويستفاد من هذا وجوب إحصاء هلال شعبان والتحفظ به لرمضان وقد تقدم حديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره"."
وهذا رواه أبو داود من طريق معاوية بن صالح عن عبدالله بن أبي قيس عن عائشة.
ويؤخذ من هذا أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.
ويؤخذ من هذا أن الأصل في الأوامر الوجوب ما لم يمنع من ذلك مانع، والصوارف متعددة قد أشرت إليها بالأمس.
ويؤخذ من هذا اعتبار الرؤية.
ويؤخذ من هذا تفضيل بعض الشهور على بعض.
683 -حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ أَخبرنَا أَبُو الأَحْوَصِ عن سِمَاكِ بنِ حَربٍ عن عِكرِمَةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تَصُومُوا قَبلَ رَمضَانَ، صُومُوا لِرُؤيتِهِ وأَفطِرُوا لِرُؤيتِهِ، فإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةُ؟؟ فأَكمِلُوا ثلاثينَ يومًا".
وفي البابِ عن أَبي هُريرةَ وأَبي بَكرَةَ وابنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عَنهُ من غَيرِ وجهٍ.
الشرح:
قال أبو عيسى رحمه الله تعالى (باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له أي لرؤية الهلال)
حدثنا قتيبة أخبرنا أبو ألاحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله عليه وسلم: لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما).