بقول عالم بمجرد الهوى ليس بمقتضى الأدلة الشرعية وأما العامة والذين ليس عندهم قدرة على الاستدلال فإنهم يأخذون بقول من يرونه عالمًا وورعًا فالعلم يرشده إلى قول الصواب والورع يمنعه أن يقول على الله ما لا يعلم.
723 -حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وقُتَيبَةُ قَالا أَخبرنَا أَبُو الأَحْوَصِ عن زيادِ بن عِلاقَةَ عن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ عن عائِشةَ: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ في شهرِ الصَّومِ"."
وفي البابِ عن عُمَرَ بن الخطَّابِ وحفصةَ وأَبي سعيدٍ وأُمِّ سَلَمَةَ وابنِ عبَّاسٍ وأَنسٍ وأَبي هُريرةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ عائِشةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
واختَلَفَ أَهلُ العلمِ من أَصحابِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغَيرِهِم في القُبلَةِ للصَّائمِ فرَخَّصَ بعضُ أَصحَابِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القُبلَةِ للشَّيخِ ولَمْ يُرَخِّصُوا للشَّابِ مخافةَ أَنْ لا يَسْلَمَ لَهُ صَومُهُ. والمُبَاشَرَةُ عِندَهُم أَشدُّ وقد قَالَ: بعضُ أَهلِ العلم: القُبلَةُ تُنقِصُ الأَجرَ ولا تُفطرُ الصَّائمَ، ورَاوا أَنَّ للصَّائمِ إِذَا مَلَكَ نفسَهُ أَنْ يُقَبَّلَ، وإِذَا لَمْ يأَمَنْ عَلَى نفسِهِ تَرَكَ القُبلَةَ لِيَسلَمَ لَهُ صَومُهُ. وهُوَ قَولُ سفيانَ الثَّوريِّ والشَّافِعيُّ.
الشرح:
قال الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى (باب ما جاء في القبلة للصائم) .
(باب) أي هذا باب (ما جاء) في حكم القبلة للصائم لم يجزم الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى بالترجيح في هذا الباب وقد أشار إلى الخلاف عقب سياق الأحاديث الواردة ولم يرجح شيئًا، قال رحمه الله تعالى حدثنا هناد وقتيبة قالا أخبرنا أبو الأحوص عن زياد بن علاقة عن عمرو بن ميمون عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل في شهر رمضان) ، وهذا الخبر رواه مسلم عن يحي بن يحي وقتيبة وبن أبي شيبة ثلاثتهم عن أبي الأحوص بمثل رواية أبي عيسى رحمه الله، ورواه من طريق أبي بكر النهشلي قال حدثنا زياد بن عِلاقة عن عمرو بن ميمون عن عائشة قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل في رمضان وهو صائم) ، وجاء في الصحيحين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك) ، وروى أبو داود من طريق سعد بن أوس العبدي عن مصدع عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها) وهذا الخبر ليس بثابت، وقد قال ابن الأعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الحديث أو هذا الإسناد ليس بصحيح وكل من روى هذا الخبر يذكر أنه يقبل ولا يذكر مص اللسان فالرواية شاذة.
قال أبو عيسى وفي الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبي سعيد وأم سلمه وابن عباس وأنس وأبي هريرة وآخرين ممن لم يذكرهم الإمام أبو عيسى فهؤلاء يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل وهو صائمطريف بن سلمان ومنهم من ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاز هذا، كقول عمر قبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقلت له صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم) قلت لا بأس فقال صلى الله عليه وسلم (ففيم) . وهذا الخبر أعله الإمام النسائي رحمه الله تعالى وقال عنه بأنه منكر، وجاء في حديث أبي هريرة أيضًا عند أبي داود (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب) وهذا معلول الأحاديث المرفوعة الواردة في التفريق بين الشيخ الكبير والشاب غير صحيحة قد جاء هذا محفوظًا عن ابن عباس رواه مالك وغيره وأما الأحاديث المرفوعة فلا يصح من ذلك شيء.
قال أبو عيسى في حديث الباب حديث عائشة حديث حسن صحيح تقدم الإشارة قبل قليل إلى بعض روايات مسلم والشيخين وجاء في الباب غير حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم) فحديث حفصة رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم كحديث أم سلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم والخبر متفق على صحته.
قوله (عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل في شهر الصوم) فيه فضيلة عائشة، قد كان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إليها فيما أشكل عليهم، وفيه أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لهن الرواية في هذا الباب أكثر من غيرهن لأن هذا الأمر يخصهن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ من ذلك عدم كتم العلم وليس من الحياء في شيء أن تمتنع المرأة عن تبليغ هذا العلم فهذه عائشة رضي الله عنها تخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك. لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها كما دلت على ذلك الروايات الأخرى، ويؤخذ من هذا جواز التقبيل