فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 151

أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات المجادلة11،يرفعهم في الدنيا بالذكر الحسن والجميل وفي الآخرة بالثواب العظيم والأجر الكبير، فإن العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا هذا العلم.

قوله (قال اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم قال نعم) يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له في الكحل لأنه مريض فيكون جواز الكحل للحاجة.

ويحتمل أن الصائم لا يمتنع من الكحل مطلقًا لأنه لم يرد دليل للمنع والبراءة الأصلية مقتضية لجواز الكحل للصائم مطلقا لأنه لم يرد شيء بالمنع، والأصل في ذلك الجواز سواء قيل بأن العين منفذ أم لم نقل بذلك، وقد أشار الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى إلى الاختلاف في هذه المسألة فقال واختلف أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وبن المبارك وأحمد وإسحاق، وهذا ما لم يصل إلى الحلق فإن وصل إلى الحلق فسد الصوم في مذهب أحمد وجماعة لأن العين منفذ ولحديث (ليتقه الصائم) وهذا الخبر رواه أبو داود وتقدمت الإشارة إلى نكارته، وقد قال أبو داود قال لي يحي بن معين هو حديث منكر.

قال أبو عيسى ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم وهو قول الشافعي أي سواءً وجد طعمه في حلقه أم لا لأن الكحل لا يغذي البته، وهذا قول أحمد في رواية واختار ذلك ابن حزم وابن تيمية وجماعة، وقد روى الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه بإسناده عن سليمان بن مهران المعروف بالأعمش قال: (ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم) ، وقد ولد الأعمش رحمه الله سنة ستين ليس له سماع من بعض الصحابة ولكن أثبت له رؤية جماعة وقد أدرك أكابر أئمة التابعين (وكان إبراهيم -تابع لرواية- أبي داود يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر) سواء وجد طعم الكحل في الحلق أو لم يوجد، لأن الطعم غير مؤثر ولذلك رخص جماعة من الصحابة في تذوق الطعام في نهار رمضان منهم عبد الله بن عباس لأن هذا يكون باللسان ولا يدخل المعدة وما كان على اللسان فإنه لا يفطر، وقول أبي هريرة رضي الله عنه وجماعة الفطر مما دخل لا مما خرج، المقصود بدخول الشيء النافذ إلى المعدة بدليل أن الذي قال الفطر مما خرج منهم ابن عباس وهو الذي يفتي بجواز تذوق الطعام للصائم فهذا دليل على التفريق بين ما كان على اللسان وبين ما كان يدخل إلى الجوف والمعدة، ولهذا لا يفطر الصائم بشم الطعام ولا بشم العطور سواء كان العطور بخورًا أو غيره إلا أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق لأن الأنف منفذ للمعدة وإذا بالغ فإنه لا يفطر، ولكنه يحتمل أنه قد عصا ويحتمل أنه قد ارتكب للمكروه في قول طائفة، وملخص هذا أن الكحل غير مكروه للصائم سواء اكتحل لحاجة أو لغير حاجة، والنساء في ذلك شقائق الرجال فلا يختلف الحكم في هذه المسألة بين الرجل والمرأة فالكحل لكل منهما مباح ولا كراهة في شيء من ذلك لأنه لم يثبت في كراهيته حديث صحيح والأكثر من العلماء يجوزونه، قد تقدم قول الأعمش ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم.

ويستفاد من هذا أن الصيام أحد أركان الإسلام فلا يجوز تفطير أحد إلا بدليل فمن صام بيقين فلا يجوز تفطيره بمجرد الشك أو التوهم فلا يفطر إلا بيقين واليقين لا يتأتي في هذا الباب إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع صحيح والقياس معتبر بشرط أن يكون الجامع أقوى من الفارق فإنه يلحق بالأكل والشرب ما كان في معناهما كالمغذي الذي يعيش معه الإنسان أعوام يستغني به عن الأكل وعن الشرب فإنه يأخذ حكم الأكل وحكم الشرب وأما القياس الذي يكون الفارق فيه أقوى من الجامع فلا يعتد به ومن الفوائد في هذا الباب أنه لا يجوز اتخاذ الخلاف مطية لتمرير الأقوال والآراء الشاذة ونظير هذا الذين يقولون بالأخذ بالأحوط في تفطير المسلمين بدون مبرر ولا مسوغ وطائفة يتخذون من الخلاف تمريرًا للأقوال الشاذة وطائفة أخرى لا تطيب نفوسهم بالأخذ بالبراءة الأصلية فيلجئون إلى دعوى الأخذ بالأحوط، والأخذ بالأحوط مراتب منه ما يكون نسبيًا حيث يرجع إلى الشخص فإن الشخص قد يتقي الصوم خروجًا من الخلاف هذا راجع إليه لكن ليس له أن يكرهه على أحد أو أن يشرِّع بذلك لأحد آخر يخرج من الخلاف بالأخذ بالأحوط حقيقة فيقع في الغلط ويترك السنة، الثالث حين تختلف الأدلة وتكون الأدلة صحيحة فهذا يحتج بأدلة صحيحة والآخر يحتج بأدلة صحيحة فهذا ممكن أن يتقي أحد القولين أخذًا بالأحوط كقضية الحجامة في نهار رمضان، من العلماء من أجاز الحجامة وهذا قول الجمهور وتقدم أنه هو الراجح وقد قال أبو سعيد (رخص للصائم في الحجامة والقبلة) وهذا حديث صحيح جاء مرفوعًا وموقوفًا والصواب وقفه، ولا يرخص في هذا الباب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه بن خزيمة وغيره، ومنهم من قال أن الحجامة تفطر وهذا مذهب أحمد وجماعة فلا حرج أن يأخذ الإنسان بالأحوط الذي يراه باعتبار أنه لو لم يحتجم في نهار رمضان لم يقل له أحد بأنك قد أفطرت بخلاف العكس ولكن ليس له أن يصادر آراء الآخرين وأن يلزمهم بقوله فهذه المسألة خلافية ولا تثريب على من ذهب إلى هذا أو ذاك، ولكن التثريب حين يأخذ الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت