عن الباقين ولكن من أراد أن يبيع وأن يشتري يكون علمه بأحكام البيوع فرضًا عليه ومن ذلك علم الفرائض وغير ذلك من العلوم وفيه قول آخر في المسألة يفرق بين من أكل كثيرًا وبين من أكل قليلًا وأن من أكل أو شرب أو جامع كثيرًا فإنه لا يعذر بالنسيان لأن مثل هذا لا ينسى، وأن من أكل أو شرب أو جامع يسيرا فإنه يعذر لأن مثل هذا ينسى، والصواب أنه حيث وجد النسيان أو الجهل فثمَّ الحكم والجامع في ذلك النسيان أو الجهل فمن أكل أو شرب فالخبر صريح بأنه معذور إذا كان عن نسيان وإن كان عن جهل فإن الجامع مع النسيان قوي وهو عدم العلم بالشيء وأما الجماع فإن الخلاف فيه أقوى من الخلاف في الأكل والشرب.
قال أبو عيسى رحمه الله تعالى (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم) لم يحك الإجماع لأن المسألة خلافية، قال وبه يقول سفيان الثوري والشافعي واحمد وإسحاق تبعهم على ذلك أو وهذا قول أبي حنيفة بأن هؤلاء الأئمة يقولون من أكل أو شرب ناسيا فليتمّ صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك بن أنس إذا أكل في رمضان ناسيا فعليه القضاء أي دون الكفارة، والمالكية يفرقون بين صوم النفل وبين صوم الفرض، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، أعيد على عجل مذاهب الأئمة في هذا الباب، من أكل أو شرب ناسيا فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة وهذا قول الجمهور، وخالف في ذلك مالك فقال عليه القضاء.
الحالة الثانية/ من جامع ناسيا فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة في أصح قولي العلماء، وخالف في ذلك الإمام مالك وقال عليه القضاء. وعن أحمد رواية عليه القضاء والكفارة.
الحالة الثالثة / من أكل أو شرب أو جامع جاهلًا فالصواب أنه لا قضاء عليه ولا كفارة وإنما يستغفر الله ويتوب إليه وإن كان جهله عن تفريط في التعلم فإنه يأثم بذلك، ومنهم من قال إن لم يكن في بادية وليس بحديث عهد بالإسلام فإنه يقضي يومًا، وقال طائفة وعليه الكفارة في الجماع، ومسائل هذا الباب: أنه إذا دخل حلقه ذباب أو غبار فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة لأن هذا الأمر قد غلبه فلم يكن متقصدا لذلك.
مسألة / ما الحكم فيمن رأى رجلًا أو امرأة يأكل ويشرب وهو يعلم أنه ناسي؟ الجواب أن الفقهاء قد اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من قال وهو قول الجمهور يجب عليه أن يبادر ويسارع إلى الإنكار لأنه في الظاهر قد عمل معصية بفطره في نهار رمضان وإنما أطعمه الله وسقاه هذا فيما بينه وبين الله والذي بينه وبين الناس فإنه يجب الإنكار والتغيير وهؤلاء يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) الحديث رواه مسلم وهو في الظاهر قد عمل منكرا لأن الأكل أو الشرب أو الجماع في نهار رمضان منكر بالإجماع ولكن كان ناسيا فهذا فيما بينه وبين الله.
القول الثاني في المسألة / التفصيل من حصل عنده اليقين بأن هذا الرجل يأكل ويشرب نسيانًا فإنه يتركه لأن الله أطعمه وسقاه ولأن الله قد رأف بحال هذا الرجل باعتبار قد يكون عطشانا فأطعمه الله وسقاه على اعتبار أنه ناسي وحينئذ لا نحرمه هذا الرزق الذي منّ الله عليه به، وإن كان الرجل لا يعلم أن هذا الرجل أكل أو شرب ناسيا لأنه لا يعرفه أو يحتمل أنه متساهل ومتلاعب فحينئذ يجب عليه الإنكار والمسارعة إلى الإنكار ولأن مثل هذا قد يفتح مجالا للآخرين تحت غطاء النسيان أو الجهل أو غير ذلك، وإن كانت هذه العلة منسحبة على القسم الأول وهذه المسألة هي من مسائل الاجتهاد التي لم يكن الحديث عنها كثيرًا في عصر أئمة السلف وقد كان الحديث عن هذه المسألة في القرون الوسطى أكثر ممن قبلهم ولعل التفصيل بين من يتيقن أنه صائم ولكن الله أطعمه وسقاه وبين من لا يعلم حاله أقوى من القول بالإنكار مطلقا لأنني أعلم في داخل نفسي بأنه لم يفعل منكرا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرًا) وأنا أعلم أنه صائم مائة بالمائة فبالتالي إنما أطعمه الله وسقاه فإذن أتركه وشأنه بشرط ما لم يترتب على ذلك ضرر مثال الضرر أن يشرب عالم أمام جمع من العامة فيتصورون أنه لا بأس بشرب القليل شرب العالم نسيانا أو خطأ وفيه عامة لا يفقهون أحكام الصيام أو أنهم حديثو عهد بإسلام فحينئذ نسارع بتنبيه هذا العالم إلى الامتناع عن الأكل أو الشرب لئلا يراه من لا يفقه الأحكام الشرعية فيقتدي به باعتبار أنه عالم، هذا لو فرض يترتب عليه ضرر فحينئذ يكون التنبيه لترتب الضرر وليس لذات المسألة.
719 -حَدَّثَنَا بُندَارٌ أَخبرنَا يَحيَى بن سعيدٍ وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديِّ قَالا أَخبرنَا سفيانُ عن حبيبِ بن أَبي ثابتٍ أَخبرنَا أَبُو المطَوِّسِ عن أَبِيهِ عن أَبي هُريرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"من أَفطرَ يومًا من رَمضَانَ من غَيرِ رُخصةٍ ولا مرضٍ لَمْ يَقضِ عنه صومُ الدَّهرِ كلِّهِ وإِنْ صامَهُ".