فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 151

فالاختلاف الموجود أوالواقع بين العلماء في هذه المسألة وغيرها لا يمنع من المصير إلى قول يراه العالم صوابًا، فإن الناس لا يزالون يختلفون في مثل هذه المسائل، وفيه دلالة واضحة أن المسميات الشرعية قد تكون قطعية في ثبوتها ولا تكون قطعية في دلالتها وهذا كثير جدًا، ينبغي أن نفرق وأن نفهم بين ما يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة وبين ما يكون قطعي الثبوت ظني الدِلالة أو الدَلالة وجهان صحيحان، ولذلك في حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه حين قال (دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب) فأبو سعيد رضي الله عنه أفطر حين غاب القرص وهذا على ظنه وعلى ظن الحاضرين أن الشمس لم تغرب فأفطر ولم يفطروا، ولم ينكر بعضهم على بعض أو يعب بعضهم على بعض، فالأدلة عند أبي سعيد والأدلة عند أيمن قطعية في الإفطار حين تغرب الشمس والاختلاف وجد هل غربت أم لم تغرب، وهذا كثير في الاختلافات الواقعة بين الناس فهم يتفقون على الأصل ولكن يختلفون في فهم الأصل، ويجب أن يعذر بعضهم بعضًا ماداموا يبحثون عن الحق يبحثون عن الصواب وما دام المنطلق هو الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وكان الشافعي وغيره من العلماء يقولون فيما يوردون من مسائل الاجتهاد (كلامنا صواب يحتمل الخطأ وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب) .

ويؤخذ من الحديث جواز الحكم الشرعي لغلبة الظن ونظائر هذا كثيرة في الشرع.

ويؤخذ من هذا أن الحكم الشرعي قد يحال في تطبيقه والعمل به إلى واقع الناس ورؤيتهم، والناس على حسب التقوى والورع يتعاملون مع هذا النص، فإنه لا يختلف العلماء أن الناس يتفاوتون في قضية غروب الشمس أو عدم ذلك، ولكن ينبغي التحقق من الغروب ولاسيما في الذين يعيشون في المدن فإن البنيان قد يحول بينهم وبين تحقق الرؤية، وفي هذا العصر الناس يعتمدون في الرؤية وفي إقبال الليل وإدبار النهار وغروب الشمس على المؤذن، فالمؤذنون مؤتمنون على هذا الأمر، فإذا أذن المؤذن جاز الإفطار وقد يكون في نفس الأمر مخطئًا أو متقدمًا على الوقت الشرعي وحينئذ لا تثريب على من أفطر على أذانه، وأما الذين يعيشون في البراري فالصواب أنه يجب عليهم التحقق من غياب جميع القرص، وإمساك جزء من الليل مذهب قوي وهو أحوط وأبرأ للذمة.

ويؤخذ من هذا تعدد الأدلة والدلالة في المعنى الواحد الله يقول {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة187،اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقيل (إلى الليل) أي إلى دخول الليل وقيل إلى وقت دخوله، فعلى المعنى الأول إذا دخل وعلى المعنى الثاني إذا أوشك على الدخول، وهذا الحديث هو مفسر لمعنى الآية وأن معنى قوله (إلى الليل) بمعنى إذا غابت الشمس، وتقدم بالأمس -ويأتي إن شاء الله أيضا تحقيق هذا بتوسع -أن من أفطر يظن دخول وقت الفطر أنه لا قضاء عليه، وإن كان قد أفطر وعلم بأنه قد تقدم على الوقت بالنداء الشرعي فإنه يواصل ولا شيء عليه، وإذا كان قد تحقق أنه قد أفطر قبل النداء فإنه يمسك حتى يدخل وقت الإفطار، وهذا مذهب أحمد في رواية واختار هذا القول الإمام ابن خزيمة ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وذهب الجمهور منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنهم إلى أنه يقضي مطلقًا، والصواب أنه لا يقضي، وأمثلة هذا متعددة كأن يسمع نداء يظن نداء بلده فإذا هو نداء الرياض قد سمع عبر الأجهزة أو الراديو، أو كأن يؤذن طفل يظنه نداء مسجده فتبين أنه أذان طفل قبل الوقت، أو يكون يعيش في بر وليس عنده ما يستدل به على تحقق الغروب وفيه غيم فأفطر فتبين له فيما بعد أنه قد أخطأ، أو كأن يكون قد نام بعد العصر فلما استيقظ ظن أن الليل قد دخل فأفطر، ومنه إذا نسي فأكل أو شرب أو إذا أخطأ فأكل أو شرب أو إذا ذهل فأكل أو شرب، كل هذا لا يفطر ولا قضاء عليه بل يواصل بقية يومه.

695 -حَدَّثَنَا بُندَارٌ أَخبرنَا عَبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ عن سُفيَانَ عن أَبي حازمٍ وأَخبرنَا أَبُو مُصعَبٍ قِرَاءَةً عن مالكِ بنِ أَنسٍ عن أَبي حازمٍ عن سَهلِ بنِ سعدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يَزَالُ النَّاسُ بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطرَ".

وفي البابِ عن أَبي هُريرةَ وابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ وأَنسِ بنِ مالكٍ.

قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ سَهلِ بنِ سَعدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ الَّذِي اختَارَهُ أَهلُ العلمِ من أَصحابِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغَيرِهِم استَحَبُّوا تَعجِيلَ الفِطرِ. وبِهِ يقولُ الشَّافِعيُّ وأَحْمَدُ وإِسحاقُ.

696 -حَدَّثَنَا إِسحاقُ بنُ مُوسَى الأَنصاريُّ أَخبرنَا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ عن الأَوزَاعِيِّ عن قُرَّةَ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُريرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَالَ الله عزَّ وجلَّ: أَحبُّ عِبادِي إِليَّ أَعجَلُهُم فِطرًا".

697 -حَدَّثَنَا عَبدُ الله بنُ عَبدِ الرَّحمنِ أَخبرنَا أَبُو عاصمٍ وأَبُو المُغِيرةِ عن الأَوزَاعِيِّ نحوَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت