فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 151

(وأدبر النهار) أي ضياؤه من جهة المغرب.

(فقد) الفاء رابطة لجواب الشرط.

(أفطر الصائم) قيل أفطر حكما، صار مفطرًا في الحكم لأن الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقيل معناه أي دخل في وقت الفطر وهذا إن شاء الله ما نتعرف عليه بمعنى حديث الباب، وأصح الوجهين عند الحنابلة أنه لا يجب في الصيام إمساك جزء من الليل، وهذا ظاهر تبويب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وقد علق في الصحيح عن أبي سعيد أنه أفطر حين غاب قرص الشمس وهذا أثر رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وجماعة من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال (دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب) وظاهره أن أبا سعيد يرى أنه لا يجب إمساك جزء من الليل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في (الفتاوى) أنه إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق.

القول الثاني في المسألة: أنه يجب إمساك جزء من الليل وأنه لا يصح صوم من لم يفعل ذلك ولعل هذا هو معنى قول من قال: (إنه إذا غاب جميع القرص أفطر) بمعنى أنه ظهر الليل.

قال أبو عيسى رحمه الله تعالى حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني أخبرنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطرت.

وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي سعيد قال أبو عيسى حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن عمر.

وفي الباب عن ابن أبي أوفى، هذا متفق على صحته، وأبي سعيد، لعله يعني في ذلك الأثر الموقوف وقد علقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بصيغة الجزم ووصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة.

قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن وذلك بمعنى الشرط بخلاف إذ هي ظرف لما مضى من الزمن.

(إذا أقبل الليل) بمعنى أقبل ظلامه من جهة المشرق، وهذا يختلف من بلد إلى آخر.

(وأدبر النهار) أي أدبر ضياؤه وغربت الشمس، في بعض النسخ (وغابت الشمس) ، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق لأنه إذا غاب القرص ظهر السواد من المشرق.

قوله (فقد أفطرت) وفي رواية (فقد أفطر الصائم) اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (فقد أفطرت) ولفظ الشيخين (فقد أفطر الصائم) قيل أي دخل في وقت الفطر، وهذا على قول الذين لا يمنعون الوصال فإنه إذا أراد أن يواصل فله ذلك سواء واصل إلى السحر أو واصل أكثر من ذلك، وقيل معنى الخبر صار مفطرًا في الحكم، لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي وهذا قول الذين يمنعون الوصال مطلقًا فلا يجوزونه أبدًا سواءً كان إلى السحر أو كان أكثر من ذلك من باب أولى قد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوصال وحين امتنع بعض الصحابة عن ذلك قال (أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر) وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى رسول الله صلى عليه وسلم عن المواصلة والحجامة للصائم، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) . رواه أبو داود وغيره بسند صحيح.

قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواصلة) وهذا دليل أن ترك المواصلة أفضل من المواصلة ولو كانت إلى السحر، والحديث فيه دلالة واضحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم ذلك، ولعل هذا هو السر في كون بعض الصحابة كان يواصل، الذين لا يرون المواصلة مطلقًا يحتجون بهذا الخبر (فقد أفطر الصائم) أي صار مفطرًا في الحكم وإن لم يطعم لأن الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقد ذهب أكثر العلماء إلى التفسير الأول لأنه قد جاء في بعض طرق الحديث (فقد حلّ الإفطار) والراويات يفسر بعضها بعضا.

ويؤخذ من الخبر المبادرة إلى الإفطار إذا تحقق غياب القرص.

ويؤخذ من الحديث أنه لا يلزم من التواطئ الكلي على فهم الخبر على العمل به، فإن حديث الباب اختلف فيه العلماء اختلافًا شديدًا قد كان الاختلاف من عصر الصحابة رضي الله عنهم فمنهم من يفهم من هذا الحديث أنه لابد من إمساك جزء من الليل، ومنهم من يفهم أنه لا يجب إمساك جزء من الليل وأن الليل إذا أقبل والنهار إذا أدبر وغابت الشمس فإنه يكتفى بهذا ولو كان الأمر ظنيًا عند طائفة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت