فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 151

أكثر العلماء وتقدم بالأمس قول أبي عيسى والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يحب أن يقضيه وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي وهذا قول الجمهور وقال مالك إن أفطر ناسيا يتم صومه ولا شيء عليه، وإن أفطر عمدا فقد أساء ويقضي، وقال أبو حنيفة يقضي يوما مكانه، وقال بن حزم لا نكره له أن يفطر ولكن إذا أفطر وجب عليه القضاء.

قال أبو عيسى عن حديث الباب هذا حديث حسن عرف الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى الحديث الحسن بأنه ما جاء من غير وجه ولم يكن فيه كذاب ولا متهم ولم يكن شاذا هذا ما لم يقترن لفظ الحسن بصيغة أخرى كحسن غريب كحسن صحيح أو غير ذلك وهذا الخبر رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بنحوه.

قال حدثنا أبو كامل وهو فضيل بن حسين قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا طلحة بن يحي، فمدار الخبر على طلحة بن يحي عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، ويؤخذ من هذا الحديث عدة فوائد:

الفائدة الأولى: حرص الصحابة رضي الله عنهم على نقل الخير والعلم للآخرين وهذا الذي ينبغي على من كان عنده علم أن يعلمه وينشر علمه على حسب القدرة والاستطاعة فإن العلم لا يندرس حتى يكون سرًا وحتى يمتنع أهله من بذله فمادام العلم يبذل والجاهل يتعلمه فإن الخيرية باقية في هذه الأمة لأن الجهل حين يحل محل العلم فإن الشرك يحل محل التوحيد والبدعة تحل محل السنة والمعصية تحل محل الطاعة والظلم يحل محله العدل فقد جاء في الصحيحين من طريق عبدالوارث بن سعيد عن أبي التياح الضبعي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنا) ، فإذا رفع العلم حل محله الجهل وحين يحل الجهل محل العلم فإن الخمر يشرب والزنا ينتشر وهو باب عظيم يؤدي إلى سقوط الدول والمجتمعات.

الفائدة الثانية: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوي صيام التطوع من الليل وهذا هو الراجح من مجموع طرق الحديث ولكن هذا لا يعني أنه شرط ولكنه أفضل لأن تواطيء جمع غفير من الصحابة على جواز تبييت النية نهارًا دليل على أنه من الليل مستحب وليس بواجب وهو شرط لصحة الصيام في رمضان أو بقية الفروض والواجبات كالنذر والكفارة ونحو ذلك.

الفائدة الثالثة: احترام الزوجة لزوجها حيث لم تقل عائشة يا محمد، فقد قالت (يا رسول الله) فإن المرأة يستحب لها أن تنادي زوجها بما يحب. يستفاد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية وهذا مشروط ما لم تكن فيها منة فإن كانت فيها منة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبلها، دلت على ذلك الروايات والأحاديث الأخرى.

ويؤخذ من الحديث جواز الفطر في صيام التطوع ولو بدون عذر وذلك من قوله (أما إني أصبحت صائما قالت ثم أكل) .

731 -حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنيعٍ أَخبرنَا كَثيرِ بنِ هشامِ أَخبرنَا جَعفَرُ بنُ بُرقَانَ عن الزُّهريِّ عن عُروَةَ عن عائِشةَ قَالَتْ:

-"كُنتُ أَنا وحفصَةَ صَائِمتينِ فَعُرِضَ لنا طعامٌ اشتَهَينَاهُ فأَكلنَا مِنهُ فجاءَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبَدَرتني إِليهِ حفصَةَ وكَانَتْ ابنةُ أَبِيهَا، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله إِنَّا كُنَّا صَائِمتينِ فَعُرِضَ لنا طعامٌ اشتَهَينَاهُ فأَكلنَا مِنهُ، قَالَ: اقضِيَا يومًا آخرَ مَكَانَه".

قَالَ أَبُو عِيسَى: ورَوَى صالحُ بنُ أَبي الأَخضَرِ ومُحَمَّدُ بنُ أَبي حفصَةَ هَذَا الحديثَ عن الزُّهريِّ عن عُروَةَ عن عائِشةَ مثلَ هَذَا. ورَوَى مالكُ بن أَنسٍ ومَعمَرٌ وعُبَيدُ الله ابنُ عُمَرَ وزيادُ بنُ سعدٍ وغَيرِ واحدٍ من الحُفاظِ عن الزُّهريِّ عن عائِشةَ مُرْسَلًا ولَمْ يذكُرُوا فيه عن عُروَةَ وهَذَا أَصحُّ لأَنَّهُ رُوِيَ عن ابنِ جُرَيْحٍ قَالَ: سأَلتُ الزُّهريِّ فقُلتُ أَحدَّثَكَ عُروَةُ عن عائِشةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسمعَ من عُروَةَ في هَذَا شيئًا، ولكن سمعتُ في خلافةِ سليمانَ بنِ عَبدِ الملكِ من ناسٍ عن بعضِ من سَأَلَ عائِشةَ عن هَذَا الحديثِ.

732 -حَدَّثَنَا بِهَذَا عليُّ بنُ عِيسَى بنُ يزيدَ البَغدَادِيُّ أَخبرنَا رَوحُ بنُ عُبَادَةَ عن ابنِ جُرَيحٍ فَذَكَرَ الحديثَ.

وقد ذَهَبَ قومٌ من أَهلِ العلمِ من أَصحابِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرِهِم إِلى هَذَا الحديثِ فَرَأَوْا عَلَيهِ القَضَاءَ إِذَا أَفطَرَ، وهُوَ قَولُ مالكِ بنِ أَنسٍ.

الشرح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت