قال أبو عيسى رحمه الله تعالى (باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه) :أي باب ما جاء من الأحاديث في إيجاب القضاء على من أفطر في صيام التطوع. في الحديث المتقدم لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى هذا اليوم على أنه قضاء ولو كان القضاء مشروعا لبُين في الأحاديث الأخرى ولكن أورد أبو عيسى رحمه الله تعالى حديث عائشة في هذا الباب ليبين ما له وما عليه.
قال حدثنا أحمد بن منيع أخبرنا كثير بن هشام أخبرنا جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة والحديث رواته ثقات ما عدا جعفر بن برقان قال عنه الإمام أحمد إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس به وفي حديث الزهري يخطئ، وقال ابن معين يضعف في روايته عن الزهري وقال مره ليس هو في الزهري بشيء ولم يتفرد بالخبر فقد قال أبو عيسى وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا، ورواه أيضًا أبو داود في سننه من طريق حيوه بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى عروة عن عروة عن عائشة وقال أبو سعيد بن الأعرابي هذا الحديث لا يثبت، وقال أبو عيسى وروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا ولم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح والزهري لم يسمع من عائشة ويعد الحديث منقطعًا والسلف يسمونه المعضل والمنقطع وما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا لأن المرسل عند أئمة السلف أعم من المرسل عند المتأخرين الذين يحصرونه في رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن جريج سألت الزهري فقلت أَحدَثَك عروة عن عائشة قال لم أسمع من عروة في هذا شيء ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث.
قال أبو عيسى حدثنا بهذا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي أخبرنا روح بن عبادة عن بن جريج فذكر الخبر.
قالت عائشة كنت أنا وحفصة صائمتين فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها تعني على خصال أبيها في الجرأة فقالت يا رسول الله إن كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فقال أقضيا يوما آخر مكانه) وهذا الخبر يكاد يتفق الحفاظ على ضعفه وقد ضعفه الإمام أبو داود والنسائي وقال الإمام الحافظ الخلال رحمه الله اتفق الثقات على إرساله وقد توارد الحفاظ والأئمة المتقنون والعلماء الراسخون في علم الحديث على ضعف هذا الخبر وشذ عنهم جماعة منهم ابن حزم والحاكم وذهبوا إلى تصحيح هذا الخبر وهذا فيه نظر لأنه لا يمكن صف جعفر بن برقان وصالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة في صف مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله وآخرين من الحفاظ الذين يروونه عن الزهري عن عائشة ولم يذكر واحد من هؤلاء عروة والزهري لم يسمع من عائشة شيئا أبدا وقد ولد الزهري قيل سنة خمسين.
قال أبو عيسى رحمه الله وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلى هذا الحديث فرأوا عليه القضاء إذا أفطر قال وهو قول مالك بن أنس وهذا الذي صار إليه أبي حنيفة وقال ابن حزم لا نكره له الفطر في صوم التطوع إلا أن عليه إن أفطر عامدًا قضاء يوم مكانه والصواب في هذا أنه لا يقضي لأنه لم يثبت في القضاء حديث والأحاديث الواردة في القضاء كلها معلولة، وتقدم أيضا إعلال حديث أم هانئ (الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين آخى بين سلمان وأبي الدرداء وكان أبو الدرداء يسرد الصوم سردًا فأمره سلمان أن يفطر فحين أفطر هذا دليل على جواز الفطر في صوم التطوع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق سلمان ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم وأقض يومًا مكانه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يحوز ولذلك الحديث الوارد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على جويرية وهي صائمة يوم الجمعة فقال (أصمتي أمس يعني الخميس) قالت لا قال (أتصومين غدًا) يعني السبت قالت لا قال (فأفطري) ولم يقل وأقض يومًا مكانه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وحديث الباب صريح في وجوب القضاء (اقضيا يومًا مكانه) ولكنه غير صحيح والأحكام الشرعية المتعلقة بالتحليل والتحريم مبنية على الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة غير مجدية في هذا الباب ولاسيما مع قوة المعارض فالأحاديث الأخرى وإن كانت غير صريحة إلا أن هذا الذي يفهم منها فهي صحيحة غير صريحة والأدلة الدالة على القضاء صريحة ولكنها غير صحيحة ويجب الأخذ بالصحيح وإن لم يكن صريحا لأنه هو الأصل، الأصل أن من أفطر في صيام التطوع لا يقضي إلا أنه يجب ذلك وهذا الذي صار إليه أكثر العلماء منهم الشافعي وأحمد وإسحاق وأكثر الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين، نقف على هذا ونأخذ غدا إن شاء الله تعالى (باب ما جاء في وصال شعبان برمضان) .
الاسئلة:
س: ...