قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
698 -حَدَّثَنَا هَنَّادٌ أَخبرنَا أَبُو مُعَاويَةَ عن الأَعمَشِ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيرٍ عن أَبي عطيَّةَ قَالَ:
-دخلتُ أَنا ومَسرُوقٌ عَلَى عائِشةَ فقُلنَا يا أُمَّ المؤمنينَ رَجُلانِ من أَصحابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الفِطرَ ويُعَجِّلُ الصَّلاةَ، والآخرُ يُؤخِّرُ الإِفطَارَ ويُؤخِّرُ الصَّلاةَ. قَالتْ: أَيُّهُما يُعَجِّلُ الإفطَارَ ويُعَجِّلُ الصَّلاةَ؟ قُلنَا عَبدُ الله بنُ مسعُودٍ، قَالتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والآخرُ أَبُو مُوسَى"."
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبُو عطيَّةَ اسمُهُ مالكُ بنُ أَبي عامرٍ الهَمَدَانيُّ. ويُقَالُ مالكُ بنُ عامرٍ الهَمَدَانيُّ وهُوَ أَصَحُّ.
الشرح:
قال الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى (باب ما جاء في تعجيل الإفطار) .
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، ولا يختلف الفقهاء في مشروعية تعجيل الإفطار وتأخير السحور، ولا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الإفطار، وهذا دليل على بقاء الخيرية في المجتمعات حين يكونون مطبقين لهذه السنة، هذه علامة على بقاء الخيرية، وما من مجتمع يؤخر الإفطار حتى تشتبك النجوم إلا وكان فيه من الشر أكثر من الخير، وهذا واقع الرافضة فإنهم لا يفطرون حتى تشتبك النجوم وهم في هذا يشابهون اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار حتى تشتبك النجوم، فمن تشبه بقوم فهو منهم، وقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الاقتضاء إسناده جيد وظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم وأقل أحواله التحريم، ومسألة التشبه مسألة خلافية بين الفقهاء، فمنها ما يصل إلى الكفر ومنها ما يصل إلى الكبيرة، وقد جزم غير واحد من العلماء بأن أقل أمر التشبه التحريم، وذهب طائفة إلى أنه يوجد من ما هو مكروه من ما هو تشبه بالكفار، وهذا قول طائفة كبيرة من الفقهاء، وهذا ما يعبر عنه أيضًا شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، بينما جزمت طائفة من العلماء أنه ليس في التشبه ما هو مكروه بل هو كله حرام إلا إذا دلت قرينة صارفة لهذا وإلا فالأصل التحريم.
قال أبو عيسى حدثنا بندار أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي حازم وأخبرنا أبو مصعب قراءة عن مالك بن أنس عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. هذا الخبر رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك بنحوه، ورواه مسلم من حديث يحي بن يحي عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي، ورواه من حديث يعقوب وسفيان كلاهما عن أبي حازم، وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد وأبو داود وجماعة وصححه ابن خزيمة ولفظه (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر وإن اليهود والنصارى يؤخرون) .
وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أبو داود الطيالسي ولفظه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر أو معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) .
وفي الباب عن عائشة قال رواه أبو عيسى رحمه الله تعالى في جامعه، وأنس بن مالك، حديث عائشة يأتي إن شاء الله، أيضًا أنه جاء في صحيح الإمام مسلم نعلق عليه إن شاء الله تعالى بعد قليل، وعن أنس أيضا أخرجه الحاكم وابن عساكر ولفظه (من فقه الرجل في دينه تعجيل فطره وتأخير سحوره، وتسحروا فإنه الغذاء المبارك) وفي صحته نظر.
قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير) الناس إسم (زال) و (بخير) الخبر، جار وجرور متعلق بخبر محذوف.
قوله (ما عجلوا) أي مدة تعجيلهم الفطر، فالمعنى لا يزال الناس بخير ما كانوا يعجلون الفطر، (ما) هنا ظرفية وحين يكون هذا فعلهم فإن الناس لا يزالون بخير، نظير قوله صلى الله عليه وسلم (لا يزال الناس بخير ما عظموا الكعبة) رواه ابن خزيمة وغيره، وقد جاء في رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الدين ظاهرًا) فإذا وجد أن الناس متواطئون على تعجيل الفطر فإنه لا يزال الدين ظاهرًا في عامتهم وهذا لا يعني