فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 151

أنه لا يوجد انحرافات وخروج عن الصراط المستقيم، وإذا كان هذا موجودًا في بلد فإنه لا يزال الدين ظاهرًا في هذا البلد، فلا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر.

ويؤخذ منه استحباب تعجيل الفطر، وقد جزم الشافعي رحمه الله تعالى بأنه لا يلزم من ذلك كراهية التأخير، وقالت طائفة بأن التأخير مكروه، ولا أعلم أحدا صرح بالتحريم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن اليهود والنصارى يؤخرون) اللهم إلا أن هذا قد يجري على أصول من يقول بمنع الوصال مطلقًا فإنه إذا كان يؤخر بقصد التعبد فإنه يكون مبتدعًا، إذا أخر وهو لا يرى الوصال فإن هذا ابتداع في الدين.

ويؤخذ من هذا الخبر مشروعية مخالفة أهل الكتاب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى مشروعية تعجيل الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون فنحن نخالفهم، وليس معنى التعجيل أن يفطر قبل غياب جميع القرص، كما أنه ليس معنى التأخير أن ينتظر حتى تشتبك النجوم، السنة وسط بين نقضين هذا وذاك.

وفيه أيضًا غير ذلك فيه معنى قول الله جل وعلا {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} طه84،إذن العجلة نوعان، عجلة محمودة وعجلة مذمومة، العجلة المحمودة هي معنى قوله تعالى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة148، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران133،والعجلة المذمومة مراتب متعددة منها أداء الشيء قبل أوانه، ومنها الاستعجال في الشيء الذي ما حان وقته ولا أتى حينه، أيضًا نستفيد من حديث الباب أن الخير في الحقيقة باق لأن الأحاديث الأخرى المتواترة (أنه لا تزال عصابة من أمتي) ، وهذه العصابة لابد أنها عاملة بهذا الخبر، والأحاديث الأخرى مفسرة أنه لابد أن يوجد ولكن يتنامى هذا الخير كلما وجد هذا أكثر، ففيه أنه قد تربط الأحكام بأداء السنة على ما وراءها، والأحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ولا تزال عصابة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى)

فما دام الناس يؤدون هذه السنة ويعجلون الإفطار ويؤخرون السَحور فإن الخير لا يزال باق فيهم وحينئذ يصبح الخير أكثر من الشر وفي نفس الوقت يجب مخالفة أهل الكتاب في الجملة، وإن كان في واقع الحال أن هذه الأمة سوف تأخذ مأخذ الأمم السابقة كما في حديث زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ،إذن لابد أن يوجد طائفة من هؤلاء ونحن نواجه هؤلاء ونبين للناس ونحذرهم من مغبة مشابهة أهل الكتاب وإن كان في واقع الأمر لابد أن يوجد، فحسب الإنسان أن يجتهد في خلاص نفسه.

نعم، يؤخذ أن الأصل في الأوامر المبادرة والمسارعة إلى هذا.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عقب هذا الخبر قال وهو الذي اختاره أهل العلم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يستحب تعجيل الفطر وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهذا على وجه التمثيل، فإن الأمة متفقه على هذا الحكم فلا يختص به الشافعي ولا أحمد ولا إسحاق ولكنه أشارة إلى أقوال طائفة من الأئمة المشهورين الذين لهم إتباع والناس يقتدون بهم ويثقون بعلمهم وعدالتهم وورعهم وتقواهم وأنهم لا يقولون الأقوال ولا يصدرون الفتاوى بمجرد الآراء وأنهم لا يحكمون إلا بما جاء في كتاب الله وعلى وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من هذا اعتقاد العصمة لأحد منهم فهم بشر يصيبون ويخطئون ولكن هذا الحكم لا يختلف فيه الفقهاء، الصحابة والتابعين وأهل العلم متفقون على هذا الحكم والأئمة الأربعة متفقون على هذا، بتواتر الأدلة في هذا وقد تقدم قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة) .

ثم قال أبو عيسى رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري أخبرنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا)

حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا أبو عاصم وأبو المغيرة عن الأوزاعي نحوه. أي نحو حديث قرة.

قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب، غريب لأنه من رواية قرة والخبر رواته ثقات ما عدا قرة بن عبد الرحمن المعافري، قال عنه الأمام أحمد رحمه الله تعالى (منكر الحديث جدًا) ، وقال ابن معين (ضعيف) ، وقال الإمام أبو زرعه رحمه الله تعالى (الأحاديث التي يرويها مناكير) ، وحكى يزيد بن السمط عن الأوزاعي أنه كان يقول (ما أحد أعلم بالزهري من قرة) فقد تعقبه ابن حبان وأصاب في تعقبه، وقد وثقه يعقوب، والصواب في قرة أنه سيء الحفظ وليس بقوي في الحديث، ولكنه ليس ممن يتعمد الكذب فيعتبر به في المتابعات والشواهد والمتأمل في أحاديث قرة يرى أنه يخالف الأئمة، فكثيرًا ما يرفع المرسل ويخالف الأئمة في أحاديثهم ففي حديث قرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت