عن الزهري عن أبي سلمه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه) أخطأ فيه قرة قال عن الزهري عن أبي سلمه عن أبي هريرة وهذا غلط والصواب ما رواه مالك وغيره عن الزهري عن زين العابدين، وقد اتفق الحفاظ أبو حاتم وأحمد والبخاري والدارقطني وغير هؤلاء على أن هذا هو الصواب، وإن كان أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى صحح حديث قرة وقال وهذا حديث حسن صحيح. وهذا فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن قرة سيء الحفظ فلا يصحح حديثه.
الوجه الثاني: أنه خالف الحفاظ وجعله من مسند أبي هريرة وهذا وجه الغلط في أحاديث قرة، والصواب أنه ليس من مسند أبي هريرة وأنه من مراسيل زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله.
قوله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل فيه إثبات القول لله جل وعلا وهذا ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} ص84،وصفة الكلام لا يختلف أهل السنة في إثباتها لله فإن الله يتكلم متى شاء إذا شاء والله جل وعلا موصوف بالكلام {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} النساء164، حين قال الله جل وعلا"تكليما"كان هذا التأكيد يبطل قول من قال بأن الكلام مجازي فإن التأكيد يمنع من وجود المجاز، وحين قال بعض أهل البدع"وكلم اللهَ موسى تكليمًا"فجعل موسى هو المكلِّم للرب وليس الرب هو المكلم لموسى، مع أن هذا يمتنع لغة، لأنه في اللغة إذا كان فيه أسم مقصور واسم ظاهر فإنه يقدم الفاعل على المفعول حتى لا يوجد لبس. قال بعض أهل السنة حين ناظر هذا الجهمي: هب أني قرأت الآية كما تريد فما تصنع بقول الله جل وعلا {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} الأعراف 143،فبهت هذا الجهمي ولم ينطق بشيء، لا يستطيع أن يقول وكلمه ربَّه لأن العرب تمنع هذا في لغتها بتاتًا ودائمًا، الذي يرتبط بالفعل يكون مفعولاَ ولا يمكن أن يقول"وكلمه ربَّه"وهذا غلط يمتنع لغة من جميع الوجوه ولا سيما أن رَبّه أي رب موسى وكلمه ربه، فالضمير عائد إلى موسى إذن الله هو المكلِّم، ولا يختلف أهل العلم من أهل السنة في هذا الأمر، إذن الأدلة مصرحة بهذا وإن كان حديث الباب ضعيفًا نستغني عن ذلك بكتاب الله وسنة رسول الله وبما أجمع عليه العلماء.
(قال أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا) فيه إثبات صفة المحبة لله جل وعلا قال الله جل وعلا {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} المائدة54.
وقال تعالى {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} البروج14،أي شديد المحبة، والأشاعرة لا يثبتون لله المحبة ومن عجيب أمر الأشاعرة أن طائفة منهم يفسرون المحبة بأنها علامة على الرضا وهم لا يثبتون صفة الرضا لله جل وعلا، فهم يثبتون لله سبع صفات دون ما عداها والدليل الذي دلهم على إثبات سبع هو في الحقيقة الدليل الذي يدل على إثبات ما عداها والدليل الذي دلهم على نفي ما عدا السبع هو في الحقيقة الدليل الذي يستدل به على نفي السبع، وصفة المحبة ثابتة لله جل وعلا ولا يختلف في ذلك أهل العلم بل يثبتون المحبة إثباتًا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وهو السميع البصير، ولكن لا مانع حين تثبت صفة المحبة أن تثبت لوازمها فلا يجوز إثبات اللوازم قبل إثبات الصفة هذا غلط فأهل السنة يثبتون الصفة ثم يثبتون لوازمها أما أن يأتي شخص فيثبت اللوازم قبل الصفة فهذا غلط.
قوله (عبادي إلي أعجلهم فطرا) والمقصود بعبادي هنا المبادرون إلى طاعته المنقادون له، لأن العبودية بالمعنى العام تطلق على المسلم والكافر قال جل وعلا {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} مريم93،المقصود إذًا بالعبودية هنا المعنى الخاص وليس هو المعنى العام.
قوله (أعجلهم) خبر (أحب) ، (أعجلهم فطرا) أي أسرعهم امتثالًا ومبادرة إلى الفطر، تقدم قوله صلى الله عليه وسلم (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) فلما بادر هذا العبد وسارع إلى تعجيل الفطر حاز محبة الله ورضا الله عنه، ولا يصنع هذا إلا من شرح الله صدره للحق وأحب الله وأحب رسوله صلى الله عليه وسلم"وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"وليس معنى هذا أن الإنسان يسرف على نفسه بالمعاصي ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وولغ فيها ثم يدعي فيما بعد أن هذا كاف للحصول على محبة الله هذا غير صحيح، وإن كان هذا الرجل قد لا يوفق إلى هذا العمل ولكنه قد يبادر إليه، ليس هذا المعنى كما يزعم فإنه لابد أن يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات، وهذا يذكرنا بقصة الأصمعي، الأصمعي يذكر عنه أنه رأى رجلًا يسرق فيسرق ويتصدق فتعجب منه فجعل الأصمعي يتابعه فكلما رأى شيئًا سرقه وتصدق به أوقفه الأصمعي رحمه الله وسأله لماذا رأيتك تسرق وتتصدق، قال أنا أسرق وأتصدق إذا سرقت سيئة واحدة وإذا تصدقت عشر حسنات فأنا أخذ عشرًا بواحدة، فوضح له أنه ليس له هكذا لأن الصدقة لابد أن تكون من طيب والله لا يقبل إلا