فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 151

التضعيف كان لمعنى المتن وهذا هو الذي أشار إليه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه حين ذكر هذا الخبر وقال: وهذا عندي ليس بخلافه أي بخلاف حديث"لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين"، ويحمل هذا على معنى، وذاك على معنى بما يتوافقان ولا يتعارضان وإن كان الأكثر من المحدثين يضعفون حديث العلاء في هذا الباب ولا يضعفونه مطلقًا بل الأكثر يحتجون به باستثناء هذا الخبر في هذا الباب.

ومفهوم هذا الحديث أنه يجوز تقدم رمضان بثلاثة أيام، وقال بعض العلماء أي ولو كان لمعنى رمضان، وهذا فيه نظر لأنه إذا وجدت العلة حتى لو انتصف شعبان إذن لا مفهوم لهذا الخبر مع وجود العلة وما دامت العلة موجودة فسواء تقدم رمضان باسبوع أو بأسبوعين ولكن الأكثرية قد يتقدمون رمضان إذا كان لمعنى رمضان بيوم أو يومين فنبه على هذا الأمر، ولذلك قيل أنه قد يحصل الشك بيوم أو يومين وذلك بحصول الغيم ونحو ذلك، ومنهم من قال أن ذكر اليوم واليومين لئلا يختلط صوم الفرض بصوم النفل، وقيل غير ذلك والصواب ما تقدم التعليل به، استثنى من هذا الحديث قوله (ألا يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم) ، أي كأن يصوم أحدكم يومًا ويفطر يومًا وهذا أفضل الصيام، أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا في الحديث الصحيح، أو أراد أن يصوم الفرض الواجب عليه، أو كان هذا صيام نذر وهذا الاستثناء قد يُحتج به على منع تقدم الشهر بيوم أو يومين ما عدا ما استُثنى لأنه قد يقال ما فائدة الاستثناء إذا كنا نضيف أمرًا آخر غير المذكور.

الجواب: أن التعليل السابق لا ينافي هذا الاستثناء فإن قول"ألا يوافق ذلك صومًا"علم أنه ما لم يقصد لمعنى رمضان فيلحق بما يوافق صومًا ما كان بمعناه وإلحاق النظير بنظيره أمر مطلوب، وهذه حقيقة الفقه فلا يمكن أن نغير بين متماثلين ولا أن نجمع بين متناقضين وقوله (أحدكم) فيه جواز إطلاق (أحد) في الإثبات، لأن بعض العلماء يمنع من إطلاق (أحد) إلا في سياق النفي أو النهي، وعند الإثبات فلا تطلق إلا على الله جل وعلا وقد جاءت في أحاديث كثيرة إطلاق (أحد) حتى في الإثبات وإن كان قد يجيب المعارض بأنه إلا إذا دلت قرينة، وهنا دلت قرينة وذلك في قوله"كان يصومه أحدكم"فهؤلاء يمنعون أن تقول: في البيت أحد، ولكن لا يمنعون أن تقول: ليس في البيت أحد، لأنه في سياق النفي وهم يفرقون بين الإثبات وبين النفي وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم"إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين"قال: إلا أحد، وهذا في الإثبات.

وقوله"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته":

صوموا لرؤيته: أي لأجل رؤية الهلال، اللام في قوله لرؤيته للتعليل، وأفطروا لرؤيته: أي لأجل رؤية الهلال، اللام للتعليل.

وفيه أن المعتبر بدخول الشهر وخروجه هو الرؤية وهذا قول الجمهور فلا يعتبر في ذلك غير الرؤية، وجزم بذلك الأئمة الأربعة رحمهم الله على خلاف بينهم بتقدير الشهور في دخول الشهر وفي خروجه فهم يتفقون في وجوب تحديد الرؤية ويختلفون في عدد الشهود الذين تثبت بهم الرؤية، فإذا حال دون منظر الرؤية غيم أو غيره فهؤلاء يوجبون إكمال العدة ثلاثين يومًا وذلك لرواية مالك عن ابن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"وجاء نحوه في حديث أبي هريرة وكلاهما في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى."

فهم بعض الأئمة من قوله صلى الله عليه وسلم"صوموا لرؤيته"أن كل بلد يستقل برؤيته، وأن من رأى الهلال لزمه ولزم أهل بلده الصيام ولا يلزم هذا أهل البلاد الأخرى، عكس هذا فهم آخرون بأنه إذا رؤي في بلد وجب على كل المسلمين الصوم، وهؤلاء كلهم يحتجون بحديث واحد، هؤلاء يقولون"صوموا لرؤيته"أن العبرة بالرؤية يقولون: إذا رآة شخص لزم الآخر الصوم سواء كان قريبًا أو بعيدًا، وهم يقولون أن الحكم يتعلق بأهل البلد، وهذه المسألة خلافية بين العلماء رحمهم الله تعالى وذلك على مذاهب:

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: تكفي رؤية أهل بلد عن أهل البلاد الأخرى، وحكي عن بعض المالكية أنه يلزم، وأنكر هذا الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى وحكي الإجماع على خلافه، ومنهم من قال لكل بلد رؤيته وهذه رواية عن الإمام وهو مذهب الجمهور وهذا المحفوظ عن ابن عباس حين قيل له ألا تعتد برؤية معاوية؟ قال: لا، مع أن معاوية كان هو الإمام الأعظم آنذاك، والخبر في صحيح مسلم فلم يأخذ ابن عباس رضي الله عنه برؤية معاوية كأنه اعتبر أن لكل بلد رؤيته، وحكاه أبو عيسى عن أهل العلم ولم يحك قولًا غيره.

ومنهم من قال أن الرؤية على حسب المطالع، وهذا مذهب الشافعية وأهل الخبرة والمعرفة بمنازل القمر يعرفون هذا، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنه قد يتحد المطلع ويختلف البلد، فلا وجه حينئذ أن نقول لهؤلاء: يجب عليكم الصوم ولهؤلاء لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت