فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 151

بالقرائن، وقد دلت القرائن في هذا الباب أن رفع هذا الخبر غلط فإن الحفاظ كابن عيينه ويونس ومعمر والزبيدي وهؤلاء من أعلم الناس بحديث الزهري يروونه موقوفًا ولا يمكن تقديم رواية عبد الله على رواية هؤلاء فهم أحفظ وأكثر وفي نفس الوقت هم أعلم بحديث الزهري من عبد الله حينئذ يحكم على رواية عبد الله بالشذوذ، وأن الصواب وقف هذا الخبر ويحتمل أن يكون له حكم المرفوع لأنه لا مجال للاجتهاد في هذا ولاسيما في التحديد وأن من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له وقد اتفقت حفصة وابن عمر على هذا الحكم فيكون موقوفًا لفظًا مرفوعًا حكما وقد قال العراقي في ألفيته:

وما أتى عن صاحب بحيث لا ... يقال رأيا حكمه الرفع على

ما قال في المحصول نحو من أتى ... فالحاكم الرفع لهذا أثبت

فيحتمل أن يكون هذا الخبر من الأمور الاجتهادية التي بنيت على عموم النصوص ومنهم من قال هذا في الفرض دون النفل، ومنهم من قال هذا في الفرض وفي النفل، واذكر إن شاء الله تعالى بعد قليل مذاهب الأئمة في هذا والقول بأن هذا الخبر من ما لا مجال للاجتهاد فيه قول قوي وذلك بقرينة التحديد قبل طلوع الفجر وهذا يفيد أن جميع الزمان يجب فيه الصوم والنية لا تنعطف على الماضي وهذا الذي صار إليه أكثر الأئمة سواء الذين يرون رفعه أو الذين يرون وقفه وقال به الشافعي وأحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وآخرون.

قوله (من لم يجمع الصيام) الإجماع هو إحكام النية والعزيمة، والنية محلها القلب والتلفظ بالنية بدعة، فالذين يقولون نويت أن أصوم هذا اليوم أو نويت أن أصلي صلاة الظهر أربع ركعات فتقبل مني إنك أنت السميع العليم أو الذين يقولون نويت أن أحج متمتعًا أو قارنًا أو مفردًا هؤلاء مخطئون وليس لهذا أصل فإن النية محلها القلب والتلفظ بالنية بدعة لقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . متفق على صحته، وفي رواية عند مسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود على صاحبه وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا) من عمل عملا ليس عليه أمرنا. هذا تعريف للبدعة: إحداث في الدين بدون دليل والأصل في العبادة البطلان حتى يثبت دليل عليها.

قوله (الصيام) قال الجمهور هذا في الواجب دون النفل.

قوله (قبل الفجر) أي قبل طلوع أو خروج الليل ودخول النهار، والنية تتبع العلم فمن علم أن غدًا من رمضان وجب عليه أن ينوي ومن لم يعلم فلا شيء عليه فإن الله جل وعلا لا يكلف نفسا إلا وسعها.

وقد قال الجمهور إن كل يوم يفتقر إلى نية سواء نية صوم رمضان أو القضاء والكفارة وقال مالك وأحمد في رواية إذا نوى في أول ليلة من رمضان صوم جميعه كفاه لجميعه ولا يحتاج إلى النية لكل يوم لأنه عبادة واحدة فتكفيه نية واحدة كالحج.

وقال الجمهور إن كل يوم عبادة مستقلة لا يرتبط بعضه ببعض ولا يفسد بفساد بعضه والخلاف في هذا كالخلاف فيمن جامع في نهار رمضان في يومين متتابعين، قال الجمهور تلزمه كفارتان لأن كل يوم عبادة مستقلة وكفارة مرتبطة بإفساد اليوم فمن أفسد يومه لزمته الكفارة، ومالك في هذه المسألة وافق الجمهور وقال تجب عليه كفارتان بخلاف النية فإنه يقول إذا نوى في أول ليلة من رمضان صوم جميعه كفاه، وعن أحمد في ذلك روايتان وهؤلاء متفقون بأنه لو كفر عن اليوم الأول ثم جامع من الغد فإنه تجب عليه الكفارة الثانية.

قوله (فلا صيام له) الفاء رابطة لجواب الشرط فالحكم أنه ليس له صيام، وظاهر هذا أنه لا يصح الصوم بلا نية وظاهره العموم فلا يختلف النفل عن الفرض وقد ذهب إلى هذا جماعة من الأئمة منهم الإمام مالك والظاهرية وآخرون، وقد أشار الأمام أبو عيسى رحمه الله تعالى إلى الخلاف في هذه المسالة فقال وإنما معنى هذا عند بعض أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان أو في قضاء رمضان أو في صيام نذر إذا لم ينوه من الليل لم يجزئ السبب لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم والنية لا تنعطف على الماضي وهذا مذهب الشافعي وأحمد وأكثر الأئمة واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كقول حفصة وابن عمر.

وأما صيام التطوع فمباح له أن ينويه بعد ما أصبح بشرط أن لا يكون قد أكل أو شرب أو جامع أو أتى بمفطر وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وإليه ذهب أكثر العلماء، قال مجاهد رحمه الله الصائم بالخيار أي صائم النفل بالخيار ما بينه وبين نصف النهار فإذا جاوز ذلك فإنما له بقدر ما بقي من النهار، وقال الشعبي من أراد الصوم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن حزم عن وكيع عن الأعمش عن عمارة عن أبي الأحوص قال قال ابن مسعود رضي الله عنه (إن أحدكم بأحد النظرين ما لم يأكل أو يشرب) وروى ابن حزم من طريق بن أبي شيبة عن يحي بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة عن سعد بن عبيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت