ذهب كثير من الأئمة إلى أنه لا يقبل حديث الصدوق إذا تفرد بأصل من الأصول وحينئذ لا نقبل الحديث الضعيف في هذا الباب ولو كان له أكثر من طريق بأصل من الأصول وليس في ليلة النصف من شعبان أصل يرجع إليه حتى نقول بأن هذه الأحاديث ترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن، ولا يختلف العلماء أن الله جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخر فلا تختص بذلك ليلة النصف من شعبان ولهذا ذهب أكثر الأئمة من أهل مكة ومن أهل المدينة ومن البلاد الأخرى إلى أنه لا يصح في ليلة النصف من شعبان حديث سواء كانت الأحاديث الواردة بأن الله يطَّلع على عباده في ليلة النصف من شعبان أو الأحاديث الواردة في الاجتهاد في العبادة في ليلة النصف من شعبان ومن قال بان المعنى في قول الله جل وعلا {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان4،هي ليلة النصف من شعبان فهذا غلط وأكثر الأئمة على خلاف هذا القول وظاهر القرآن بل صريح القران بأن هذه الليلة هي ليلة القدر وهي التي أنزل فيها القران وهي التي يفرق فيها كل أمر حكيم، جاء في حديث عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خشيت عائشة رضي الله عنها أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعض نسائه وهذا من شدة غيرتها وهذا الجزء من الحديث جاء في صحيح الإمام مسلم، ويؤخذ من ذلك جملة من الفوائد:
الفائدة الأولى: فيه مشروعية زيارة المقابر وأكثر زيارة النبي صلى الله عليه وسلم للمقابر كانت ليلًا لأن الزيارة ليلًا أكثر تأثيرًا وأكثر تخويفًا وزيارة المقابر على أقسام:
القسم الأول: الزيارة المشروعة وهي زيارة قبور المسلمين لتذكر الآخرة والدعاء لهم وهذه الزيارة مختصة بالرجال في أصح قولي العلماء فإن المرأة ممنوعة من زيارة المقابر لحديث عمر بن أبي سلمه عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) وهذا حديث جيد، وقد صححه ابن حبان وجماعة والفقهاء لا يرون زيارة المقابر على وجه الدوام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تتخذوا قبري عيدًا) . ولا يرون تخصيص يوم من بين الأيام فإن هذا من المحدثات.
النوع الثاني: زيارة محرمة كزيارة المقابر لتحري الدعاء عند القبور هذا بدعة أو لقراءة القران في المقابر فهذا بدعة أو ما هو أكبر من ذلك كدعاء أصحابه فهذا شرك أكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة.
القسم الثالث: الزيارة المباحة / كزيارة قبور المشركين وأهل الفترة ونحوهم وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنت ربي أن أزور قبرها فإذن لي) ، رواه مسلم في صحيحة هذا دليل على جواز زيارة قبور غير المسلمين ذلك للاتعاظ والتذكير ومعرفة فضل الله عليك.
ويؤخذ من هذا المقطع الغيرة الموجودة عند النساء وإن كانت المرأة صالحة فقد خرجت عائشة من بيتها ليلًا ترصد رسول الله صلى الله عليه وسلم تظنه أتى بعض نسائه حين رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله) أي أن يحصل لكِ ظلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يظلم أحدًا ولا يفضل زوجة على زوجة في القسم وأما أمر القلب فلا يملكه أحد.
ويؤخذ من هذا الحديث أنه لا حرج من خروج المرأة من بيتها إذا أمنت الفتنة وقد يقول قائل إن عائشة خرجت بدون إذن من زوجها وهذا صحيح وهو يحتمل أحد أمرين: الأمر الأول/ أن عائشة حين غلبت عليها الغيرة خرجت بدون إذن وحين رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنفها فهذا عفو عن حقه وإلا فالأصل أن المرأة لا تخرج إلا بإذن زوجها ويحتمل أن عائشة تعلم من خلقه صلى الله عليه وسلم أنه لا يخالف في مثل هذا.
ويؤخذ من ذلك نفي الظلم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:"وما ظلمناهم"وقال تعالى:"وما ظلمهم الله"وقال تعالى:"وما كنا ظالمين"في الحديث القدسي (قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي ذر، قد قال الإمام أحمد وغيره هذا أفضل حديث لأهل الشام
ويؤخذ من الحديث التعدد وذلك من قول عائشة (ظننت أنك أتيت بعض نسائك) ففيه التعدد والأمة مجمعة على أن آحاد الناس لا يتزوج بأكثر من أربع ويختص النبي صلى الله عليه وسلم بالزيادة وقوله صلى الله عليه وسلم فقال (إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان) الثابت في الأحاديث المتواترة أن الله تعالى تبارك وتعالى ينزل في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخر، وأهل السنة يثبتون نزول الرب ذاتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل.