فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 151

أصحابة يتسحرون معه، وفيه أن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت مفتوحة للذين يريدون الطعام معه والاستفادة منه ولم يكن يمنع الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مانع وهو هو في المنزلة والقدر، وفيه الأدب في الخطاب حيث قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل تسحرنا مع محمد قال تعالى {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} الأحزاب40، بخلاف شأن الأعراب حين أتى أحدهم يسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان جالسًا بين أصحابه قال: أيكم محمد، تقدم أن الصواب في الرسول هو بشر أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، بخلاف النبي أوحي إليه بشرع من قبله وأمر بتبليغه، هذا أصح ما قيل، على وجود اختلاف في هذه المسألة ولاسيما في تعريف النبي، الله جل وعلا سمى في كتابه الأنبياء رسلًا باعتبار أنهم مرسلون ومأمورون بالتبليغ ومن أمر بالتبليغ فإنه يسمى رسولًا فهو باعتبار الرسالة والتبليغ، وأما التعريف المشهور وهو السائد الآن عند كثير من الناس بأن النبي بشر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فهذا ضعيف، إذن ما هي مهمته إذا أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه الله جل وعلا أخبر في كتابه أنه ما أرسل من رسول إلا أوحي إليه وأنه يأمره بالتبليغ وهذا صريح القران وهذا واقع الرسل بدلالات متعددة وأعظم مهمة للرسل هي التبليغ والدعوة إلى التوحيد ومطاردة الشرك والوثنية في كل مكان إلا أن كل رسول كان يبعث إلى قومه خاصة وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة.

قوله (ثم قمنا إلى الصلاة) وهذا القدر من الحديث لا يدل على تأخير السحور وإن كان يفهم منه قوله (تسحرنا ثم قمنا) ثم هنا للتراخي والتعقيب يفهم من الحديث أن التراخي كان قريبًا وقليلًا وحين لم يكن صريحًا قال انس لزيد بن ثابت كم كان قدر ذاك؟ جاء في رواية في البخاري (كم كان بين الأذان والإقامة) ، قال (قدر خمسين آية) ،والرواية الأخرى (قدر قراءة خمسين آية) ،

(قدر) بالرفع ويعرب خبرًا لمبتدأ ويجوز نصبه (قدرَ) على أنه خبر كان المقدرة (وقدر خمسين آية) أي متوسطة لا بطويلة ولا بقصيرة من حيث القراءة لا بسريعة ولا ببطيئة، وحينئذ تكون دلالة الخبر قوية وواضحة في تأخير السحور، ولهذا قال الترمذي رحمه الله تعالى وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق: يستحب تأخير السحور.

وقد جاء في البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم قال: (كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذه إشارة إلى أن الصحابة كانوا يتأخرون في السحور ولم يكن بينهم وبين الأذان إلا القليل، تقدم تحديد هذا بقدر خمسين آية، ولا حرج على المسلم أن يأكل وإن شك في بقاء الليل ولذلك قال الشافعي رحمه الله تعالى في (الأم) (إذا شك في بقاء الليل ولم يتسحر يستحب له ترك السحور وإن تسحر في هذه الحالة صح صومه لأن الأصل بقاء الليل) . قد قال ابن عباس رضي الله عنهما (أحل الله الأكل والشرب ما شككت) رواه الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى في (المصنف) ، وذكر النووي رحمه الله تعالى في (المجموع) بأنه لو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل والشرب والجماع بلا خلاف حتى يتحقق الفجر لقول الله جل وعلا (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة/187] ،وكلام النووي لا ينافي كلام الشافعي فإنه يحي الإجماع على الجواز. والشافعي يرى أن الأولى ترك هذا فلا تنافي بين القولين، وأما حديث حذيفة فيفهم منه أن التسحر كان بعد الصبح (غير أن الشمس لم تطلع) هذا نصه قلت بعد الصبح قال بعد الصبح غير أن الشمس لم تطلع، وقد اختلف جواب الأئمة عن هذا فمنهم من أخذ بظاهره وهذا مروي عند جماعة من الأئمة منهم الأعمش رحمه الله تعالى قد كان يقول (لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت) وهؤلاء يقولون بأن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل، أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، فهؤلاء يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، ولذلك يذكر عن معمر أنه كان يؤخر السحور جدًا حتى يقول الجاهل لا صوم له، وروى بن المنذر عن علي رضي الله عنه أنه صلى الصبح ثم قال (الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ، وهذه الأقاويل المأثورة عن هؤلاء الأئمة هي مؤكدة أنه ليس في المسألة لكن إجماع، لأن كون العالم يختار قولًا وينصره هذا من حقه إذا كان يحفظ في نصرة هذا المذهب أدلة قوية ولكن ليس من حقه أن يصادر الآراء الأخرى، والخلاف محفوظ بين الأئمة، أقول اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الأقوال المنقولة وهي بلا ريب مشيرة إلى أن الخلاف محفوظ، فمنهم من ذهب إلى تضعيف حديث حذيفة لأنه هو الذي جاء مرفوعا وقالوا عن بقية الآثار هي اجتهادات معارضة للأدلة الصحيحة الصريحة في هذا الباب، ومنهم من قال بان حديث حذيفة منسوخ، ومنهم من قال بأن حديث حذيفة على الجواز، وتحمل الآية والأدلة الأخرى أن بلالًا يؤذن بليل على الأولوية والاستحباب، ونشير إن شاء الله على هذه المسألة تحت قول أبي عيسى (باب ما جاء في بيان الفجر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت