ومنه قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [1] .
ومنه قولُ الفرزدق:
لعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بِتاركِ حَقِّهِ ... ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتيَسِّرُ [2]
ومَن جعلها استفهاميةً احتجَّ برواية ابنِ إسحاقَ:"ما أقرأُ؟" [3] ، وبما رُوي عند ابن عقبةَ في مَغازِيه [4] ، وعند البيهقي في دلائلِه [5] :"كيف أقرأُ؟"، وأنكر العينيُّ على مَن جعل هذه الرواية نافيةً مع صريحِ الاستفهام فيها [6] .
أما المنعُ من أن تكون (ما) استفهاميةً لاقتران الخبر بالباء؛ فقد جوَّز الأخفشُ أن تكون (ما) استفهاميةً مع الاقتران [7] ، ولكن ذكَر غيرُ واحد أن ذلك قليلٌ أو شاذ، فالصوابُ أن الباء زائدةٌ لتأكيد النفي [8] . وأما مَن احتج برواية ابن إسحاقَ وغيرِها، فالرواية تحتملُ الاستفهام، ولكن ما رُوي في الصحيحين يبعُد أن يكون استفهامًا؛ لاقتران الخبر بالباء، ويجوزُ أن تكون (ما) في هذه الرواية نافيةً [9] .
ومما سبق يمكنُ القول بأن (ما) في (ما أنا بقارئ) و (ما أقرأ) [10] نافية؛ لِمَا ذُكر من توجيهٍ حول قول من قال بأنها استفهامية، وليتفق معنى الروايتين.
(1) فصلت: 46.
(2) البيت من الطويل، ديوانه 270، الكتاب 1/ 63، شرح أبيات سيبويه 1/ 131، همع الهوامع 1/ 467.
(3) مسند إسحاق بن راهويه 3/ 970، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار 2/ 204، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث 2/ 867.
(4) مغازي ابن عقبة 63.
(5) دلائل النبوة 2/ 142.
(6) عمدة القاري 1/ 57.
(7) نقلًا: شرح المفصل 4/ 476، عمدة القاري 1/ 57.
(8) فتح الباري 1/ 24.
(9) إكمال المعلم بفوائد مسلم 1/ 482، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 199، عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد 3/ 191.
(10) ذكر ابن الملقن رواية"ما أحسن أن أقرأ"فلم أجدها -حسب اطلاعي- في متون الحديث، إنما وجدتها عند شراح الحديث، فمنهم من جعلها رواية، ومنهم من جعلها تفسيرا للنفي، وذكر ذلك في: عمدة القاري 1/ 54، إرشاد الساري 1/ 63 - 7/ 426.