مسألة
التقارُض بين (على) و (عن)
في قوله - عليه السلام:"لا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ" [1] .
قال ابن الملقن:
"وقولُه: (ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض) ، الشَّفُّ: النقصان والزيادة؛ شَفَّ يَشِفُّ شَفًّا: زادَ، وأشَفَّ يُشِفُّ: إذا نقَص، والاسمُ منه الشَّفُّ والشِّفُّ. قال ابن التين: أراد في الحديث: لا تزيدوا بعضَها على بعض ولا تنقصوا، وكأن الزيادة أولى، إلَّا أنَّه عدَّاه بـ (على) ، و (على) مختصةٌ بالزيادة، و (عن) مختصةٌ بالنقصان، ولا يصحُّ حملُه على النقص مع (على) إلا على مذهبِ مَن يُجيز بدلَ الحروفِ بعضِها من بعض، فيَجعلُ (على) موضعَ (عن) ، وفيه بُعدٌ" [2] .
بيان المسألة:
ذكر ابن الملقن أن (الشف) يعني النقصان والزيادة، وبيَّن أن الزيادة أَولى؛ لمناسبةِ معنى الحرف، وبيانُ ذلك فيما يلي:
كلمة (الشف) يعُدُّها أهل اللغة من الأضداد؛ إذ تحملُ معنيين متضادَّين: النقصان والزيادة [3] ، فيحتمل المعنى: (لا تزيدوا بعضها على بعض) و (لا تنقصوا) ، غير أن الحرف المُعدَّى به (على) مختصٌّ بالزيادة دون النقصان، وعُبِّر به عن معنيين متضادين! .
هذا، وقد اختَلَف النحويون في جوازِ حملِ معنَى حرفٍ على معنَى حرفٍ آخَر [4] .
فأهلُ البصرة يرون أن (على) لا تخرجُ إلى معنًى سوى الاستعلاء، والاستعلاءُ زيادةٌ، ويعبرون عن النقص بـ (عن) ، ولا يُجيزون إنابةَ حرفٍ عن حرف آخر؛ إبقاءً على أصلِ وضعِه،
(1) صحيح البخاري 14/ 333، باب بيع الفضة بالفضة.
(2) التوضيح لشرح الجامع الصحيح 14/ 333.
(3) الأضداد 109، معجم ديوان الأدب 3/ 32، المحكم والمحيط الأعظم 7/ 623، تهذيب اللغة 11/ 195، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم 226، تاج اللغة وصحاح العربية 4/ 1382، مجمل اللغة لابن فارس 1/ 497.
(4) أدب الكاتب 507، المقتضب 2/ 230، الخصائص 2/ 314، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب 196، اللمحة في شرح الملحة 1/ 320، الجنى الداني 476.