مسألة
دلالة (مِنْ) بين بيانِ الجِنْس والتبعيض
في قول عائشة -رضي الله عنها-:"أولُ ما بُدئَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الوحيِ: الرؤيا الصالحةُ في النوم" [1] .
قال ابن الملقن:
"وقولها: (من الوحي) ؛ في (من) هنا قولان: أحدُهما: أنها لبيان الجنس، وثانيهما: للتبعيض، قال القزازُ بالأول، كأنها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردَّه القاضي، وقال: بل يجوزُ أن تكون للتبعيض؛ لأنها من الوحي، كما جاء في الحديث: أنها جزءٌ من النبوة" [2] .
بيان المسألة:
ذكر ابنُ الملقن معنيَين من معاني (من) ، ثم أورد خلافًا بين النحويين حولهما، وبيانُ ذلك فيما يلي:
اختلف النحويون حول معنى (مِنِ) الجارةِ، فمنهم مَن يرى أنها لا تكونُ إلا لابتداء الغاية [3] ، ومنهم مَن يرى أنها تخرج لمعانٍ أُخَر [4] ، واختلافُ النحويين في هذه المسألة محمولٌ على تبايُن معنى (من) ، إذ هُم متفقون على أنها تأتي لمعانٍ عدة.
فيرى القيرواني [5] أن (مِن) لبيان الجنس، إذ إن الرؤيا الصالحة من جنس الوحي، والوحي أعمُّ، ومثلُ ذلك في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [6] ، أي: الرجسَ الذي هو
(1) صحيح البخاري 1/ 7، باب بدء الوحي.
(2) التوضيح لشرح الجامع الصحيح 2/ 244.
(3) المقتضب 1/ 44، الأصول في النحو 1/ 409.
(4) الإيضاح العضدي 251، الأزهية في علم الحروف 224، رصف المباني 323، الجنى الداني 309.
(5) هو: محمد بن جعفر القيرواني، نحوي عالم بالأدب مؤلف كتاب الجامع في اللغة، توفي عن عمر يناهز التسعين سنة 412 هـ، وترجمته في: معجم الأدباء 6/ 2475، وفيات الأعيان 4/ 374 - 376، سير أعلام النبلاء 17/ 326، وذكر أن كتابه غير مطبوع، سير أعلا م النبلاء 17/ 326، التراجم الساقطة من كتاب تهذيب الكمال لمغلطاي 143.
(6) الحج: 30.