ومن ذلك قوله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ} [1] ، أي: لكنِ المظلومُ يجهرُ بالسوء، فيكون بذلك أعذرَ ممن يَبدأ بالظلم [2] .
وأما مَن جعل (إلا) بمعنى (الواو) ؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: ولا الذين ظلموا؛ أي: لا يكونُ لهم حجةٌ أيضًا، فأدخلوا الثانيَ في حكم الأول، ومن ذلك قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [3] ؛ أي: والذي شاء ربُّك، ويرى ابنُ جرير أن المعنى: سوى ما شاء ربك [4] .
هذا، وجمهورُ النحويين لا يُجيزون مجيء (إلا) بمعنى (الواو) [5] ؛ لكون الاستثناءِ يُخرج الثانيَ من حكم الأول، والواوُ للجمع، فتُدخل الثانيَ في حكم الأول، فلا يمكنُ أن يكون أحدُهما بمعنى الآخر [6] .
وأما مَن قال: إن (إلا) معناها (بَعْدَ) ؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: حجةٌ بَعْدَ الذين ظلموا.
وقد وُصِف هذا الرأيُ بالغرابة والفساد والنُّكْر [7] .
ومما سبق يمكنُ القول بأن الاستثناء هو أقربُ الأقوال وأبيَنُها كما وصفه ابنُ الملقن؛ لبقاء (إلا) على أصل وضعِها، ولبعدِ الخلاف حول هذا الرأي.
(1) النساء: 148.
(2) معاني القرآن للأخفش 1/ 269، جامع البيان في تأويل القرآن 9/ 344، معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 110.
(3) هود: 107.
(4) جامع البيان في تأويل القرآن 19/ 433.
(5) معاني القرآن للفراء 1/ 89، جامع البيان في تأويل القرآن 9/ 344، الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 216، مفاتيح الغيب 17/ 275، الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178، الجنى الداني في حروف المعاني 518.
(6) الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178.
(7) الجنى الداني في حروف المعاني 521، الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178.