تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض، قال: وتأمل حديث البطاقة، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة والكثير منهم يدخل النار بذنوبه، بل اليهود أكثر من يقولوها، والذي يقولها ويخالفها أعظم كفرًا ممن يجحدها أصلًا، فإن الكافر الأصلي أهون كفرًا من المرتد.
وللترمذي وحسنه، عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله - تعالى-: يا ابن آدم؛ إنك لو أَتيتني بقراب الأَرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأَتيتك بقرابها مغفرة» .
أي: ثم مت حال كونك لا تشرك بي شيئًا، وهذا شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من أتى الله بقلب سليم.
«وقراب الأرض» أي: ملء الأرض، فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، فإن أكمل العبد توحيده وأخلصه لله وقام بشروطه أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب، ومنعه من دخول النار، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ولو كانت قراب الأرض، وفيه سعة كرم الله وجوده وكثرة ثواب التوحيد وتكفيره الذنوب.
عباد الله:
ما لم يتحقق التوحيد وإخلاص العبادة وتمام الخضوع والانقياد والتسليم، فلا تقبل صلاة ولا زكاةٌ، ولا يصحُّ صومٌ ولا حجٌّ، ولا يزكو أيُّ عمل يُتقرب به إلى الله، قال - سبحانه-: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] ، وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} .