الخطبة الثانية
الحمد لله، عَظُم شأنه، ودام سلطانه، أحمده - سبحانه - وأشكره، عن امتنانه، وجزل إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبده ورسوله، به علا منار الإِسلام، وارتفع بنيانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين؛ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله - عز وجل-، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
أيها المسلمون:
هؤلاء الموحدون تركوا الشرك رأسًا، ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء؛ والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به - سبحانه وتعالى - والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع، الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على