فمثل هذه التأويلات السخيفة، إنما وقعت لظن صاحبها أنه لا يتصور وقوع مثل هذه الأشراط في هذا العصر إلا بأن تكون على هذه الصفة والصورة، وهذا لا شك خطأ بل خطأ عظيم، ومن تأمل مثل هذه التأويلات علم حظ القوم من العلم، وأنهم غير مؤهلين لتناول مثل هذه المباحث والكلام فيها، فينبغي أن يحجر عليهم من الكتابة والتأليف رأسا، حماية لهم وصيانة للناس أن لا يضلوا بما يكتبون.
ومن أسباب إخراج النصوص عن ظواهرها عند البعض دعوى معارضتها للمعقول كالشأن في كثير من العقائد الإسلامية، إذ أن من طالع كتب المؤولة وجد عندهم توسعا عجيبا في هذا الباب، وكلما خاضوا بالتأويل في باب جرهم ذلك إلى استسهال التأويل في باب آخر وهكذا حتى آل الأمر بالباطنية مثلا إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر، والقصد أن باب أشراط الساعة مما حظي من بعض المؤولة بجملة من التأويلات المخرجة لتلكم النصوص عن ظواهرها المرادة فمن ذلك مثلا ما نقله السخاوي من تأويل بعضهم للدابة بكونها (إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم فينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة لقوله تعالى:(تكلمهم ) ) (1) ، أو ما قاله محمد عبده في تأويل الدجال بقوله: (إن الدجال رمز للخرافة والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها) (2) ، أو ما نقله القرطبي عن بعض الناس في تأول الكتابة التي بين عيني الدجال بقولهم: (معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه وشواهد عجزه وظهور نقصه) (3) ، إلى آخر ما هنالك من تأويلات كثيرة جدا يصعب حصرها (4)
(1) القناعة 57 ، انظر المفهم 7/230 ، وإتحاف الجماعة 3/186 في الرد على من تأول الدابة.
(2) تفسير المنار 3/317، وانظر في رد هذا التأويل الفتح 13/112.
(3) التذكرة 2/531.
(4) ومن أسوأ ذلك وأشنعه عبث محمد فهيم أو عبية بكتاب النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير فإنه مارس فيه دورين خطيرين رد النصوص بدعوى مخالفة العقل ، وتأويل ما لم يستطع رده منها ، ناهيك عن عبثه بأصل الكتاب فإنه قد أدخل تبويبات في أصل النص يقطع العارف بابن كثير أنها لا تصدر عمن دونه فكيف به ، والمضحك أن في بعضها تعبيرات عصرية لا يتصور أن ينطق بمثلها ابن كثير ، والأخطر عبثه بإسقاط بعض النصوص من الكتاب كل ذلك تحت شعار التحقيق زعم ، وانظر كلام الشيخ الألباني في نقد الرجل وكتابه في رسالته قصة المسيح الدجال ، كما تكفل بالرد على عامة ما أورده أبو عبية في تحقيقه المذكور من شناعات الشيخ حمود التويجري وذلك في كتابه إتحاف الجماعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة فليراجع ، وانتبه لعدد من طبعات كتاب النهاية لابن كثير فإن عددا من المحققين قد أخرجوه اعتمادا على طبعة أبو عبية دون إشارة فحذفوا جملة من تعليقاته لكنهم ضمنوا عناوينه طبعاتهم فوقع الإشكال.