ومن عرف قدر الصحابة علما وفقها وديانة وتقى علم أن الأصل في كلامهم مما لا يكون من قبيل الرأي والاجتهاد أن يكون متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يستثنى من هذا الأصل بعض خبرهم مما يحتمل أن يكون متلقى عن مصدر آخر احتمالا قويا بحيث يجعل خبره مترددا محتملا هل تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو مما أباح النبي صلى الله عليه وسلم التحدث به من أخبار أهل الكتاب، يؤكد هذا المعنى ما صح عن أبي غالب مثلا قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. (1)
وعن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون خليفة تقصر عن بيعته الناس، ثم يكون نائبه من عدو، فلا يجد بدا من أن يسير بنفسه، فيظهر على عدوه، فيريده أهل العراق على الرجوع إلى عراقهم، فيأبى ويقول: هذه أرض الجهاد فيخلعونه ويولون عليهم رجلا، فيسيرون إليه حتى يلقوه بالحص جبل خناصرة، فيبعث إلى أهل الشام، فيجتمعون له على قلب رجل واحد فيقتلهم بهم قتالا شديد، حتى أن الرجل ليقوم على ركائبه فيكاد يعد رجال الفريقين، ثم ينهزم أهل العراق فيطلبونهم حتى يدخلونهم الكوفة، فيقتلونهم بكل من أطاق حمل السلاح منهم، فيهزمهم ويقتلون من جرت عليهم المواسي) ، قيل لأبي أسماء: ممن سمعه ثوبان أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فممن إذا؟! (2) .
(1) رواه الترمذي 3000 ،والإمام أحمد في المسند 21705 ، وانظر صحيح سنن الترمذي 2398.
(2) رواه نعيم بن حماد في الفتن برقم 878 قال المحقق: (إسناده صحيح) .