ومما يدل على ما ذكر من استثناء من روى عن أهل الكتاب من الصحابة من هذه القاعدة من تصرفات أهل العلم قول الحافظ ابن كثير في حديث مروي عن عبدالله بن عمرو بن العاص في شأن الدابة وطلوع الشمس من مغربها:
(وهذا غريب جدا، ورفعه فيه نكارة، ولا بد أنه من الملزمتين اللتين أصابهما عبدالله بن عمرو يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء غرائب) (1) ، فتأمل كيف أعل الحديث مرفوعا لغرابته، وجعله من حديث عبدالله بن عمرو المتلقى عن أهل الكتاب.
ومع ذلك ينبغي أن يعلم أن الموقوفات التي جاءت عمن أخذ عن أهل الكتاب من الصحابة أحسن حالا وأقوى من الخبر الإسرائيلي المحض، ولعل هذا هو السبب في تسامح بعض أهل العلم في هذه القاعدة فيحكمون لموقوفهم بحكم الرفع خاصة إن لم تظهر قرينة تدل على أنه متلقى عن أهل الكتاب كنكارة أو غرابة أو مخالفة لحديث مرفوع، أو ظهرت قرينة تدل على أنه متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم كموافقة الحديث لحديثه صلى الله عليه وسلم ومن أمثلة صنيعهم هذا:
قال العز بن عبدالسلام معلقا على أثر عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه الموقوف: (يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام) : (ومثل هذا لا يقال إلا توقيفا) (2) ، لقيام الاحتمال المذكور والله أعلم.
وقد حكم الشيخ حمود التويجري رحمه الله لجملة من موقوفات عبدالله بن عمرو في هذا الباب بالرفع فانظر إتحاف الجماعة 2/79، 2/114، وحكم لبعض موقوفات أبي هريرة بالرفع فانظر 3/121 / 3/124، 3/216.
(1) النهاية في الفتن والملاحم 1/219.
(2) ترغيب أهل الإسلام 37.