فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 197

قال الخطيب البغدادي شارحا أحوال الناس مع المنجمين وسبب وقوعهم في شراكهم في تحليل نفسي رائع قال:(إنما يدخل الشبه على الناس في أمر المنجمين من قبيل أنهم يرون المنجم يصيب في مسألة تقع بين أمرين، كالجنين الذي لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى، أو المريض الذي لا يخلو من أن يصح أو يموت، والغائب الذي لا يخلو من أن يقيم بمكان أو يؤوب، ومن شأن الناس أن يحفظوا الصواب، للعجب به والشغف، ويتناسوا الخطأ، لأنه الأصل الذي يعرفونه، والأمر الذي لا ينكرونه، ومن ذا الذي يتحدث بأنه سأل المنجم فأخطأ، وإنما التحدث بأنه سأله فأصاب، والصواب في المسألة إذا كان بين أمرين قد يقع أحيانا للمعتوه والطفل، فضلا عن المتلطف الرفيق، والقول في إصابة المنجم كقول الشاعر في الطيرة:

تعلم أنه لا طير إلا ... ... على متطير وهي الثبور

وشيء قد يوافق بعض شيء ... ... أحيانا وباطله كثير

وإن وجد لمن يدعي الأحكام إصابة في شيء، فخطؤه أضعافه، ولا تبلغ إصابته عشر معشاره، وتكون الإصابة اتفاقا كما يظن الظان المنافي للعلم المقارن للجهل الشيء فيكون على ظنه، ويخطئ فيما هو معلوم أكثر عمره، ولا يقال: إن هذه إصابة يعول عليها، ويرجع إليها، بل إذا تكررت منه الإصابة في قوله، وكثر الصدق في لفظه، والصحة في حكمه، ولم يخرم منه إلا الأقل، حينئذ سلمت له هذه الفضيلة وشهد له بهذه المعجزة، ولا فرق بين المنجم والكاهن، إذ كل واحد منهما يدعي الإخبار بالغيوب، وكيف يسلم للمنجمين ما يدعونه، وأحدهم على التحقيق ما يعرف ما حدث في منزله، ولا ما يصلح أهله وولده بل لا يعرف ما يصلحه في نفسه، ويؤثر عنه أن يخبر بالغيب الذي لم يؤته الله أحدا، ولم يستودعه بشرا، إلا لرسول يرتضيه أو نبي يصطفيه) (1) .

(1) القول في علم النجوم 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت