فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 135

لقبحها هذا المثل, ونفاة التعليل والأسباب والحِكَم وحسن الأفعال وقبحها يقولون: ما ثَمَّ إلا محض المشيئة لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح لعينه حتى يُشبَّه بقبيح آخر وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها ولا لها علل غائية هي مفضية إليها وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط.

والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة ألبتة, فكلهم مُجمِعون إذا تكلموا بلسان الفقه على بطلانها, إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحُكم, ويُفرِّقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك, ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما, ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما, ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحِكَم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة رُتَبها" [1] انتهى كلامه رحمه الله."

ومع ختام هذا الباب والذي قبله حيث ذكرنا نصوصًا من الكتاب والسنة مشفوعةً بكلام أهل العلم الذي بيَّن دلالة تلك النصوص على اعتبار الجهل عذرا شرعيا, كما ذكرنا نماذج من معاملة الصحابة رضوان الله عليهم مع الجاهل بالحكم الشرعي, فقد يتبادر إلى الذهن أن الجهل عذر بإطلاق, وأن المكلف ما دام يجهل الحكم فذلك يعفيه من تبعاته, وليس الأمر كذلك, فإن العلماء حرّروا المواضع التي يكون الجهل فيها عذرا معتبرا, وذلك حيث تكون تلك المواضع مَظِنَّةً لعدم العلم, وألغوا الجهل ولم يعتبروه في كثير من الحالات, فلم يعذروا المكلف بعدم علمه الحكم الشرعي.

وفي هذا يقول الإمام القرافي [2] رحمه الله:"اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، و أخذ بجهالات فلم يَعْفُ عن مرتكبها" [3] .

(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن قيم الجوزية (1/ 230 - 242) .

(2) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء الصنهاجي المصري, الإمام العلامة انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك رحمه الله تعالى, من كتبه: الذخيرة في الفقه, توفي سنة (684 هـ) . [الديباج المذهب: ص 62 - 67]

(3) الفروق للقرافي (2/ 155) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت