رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [1] ، أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلًا له بعد أن كان علقة ومضغة, فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي والعلم الكسبي وأشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده وهي الإنسانية, وحالتاه الفطرية والكسبية في أول التنزيل ومبدأ الوحي, وكان الله عليمًا حكيمًا" [2] ."
(فائدة) قد يقول قائل: إذا كان الأمر كما قال ابن خَلدون رحمه الله من أن الجهل هو الأصل في الإنسان, وأنه صفة ذاتيّة له, بدليل قوله تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [3] , فلِمَ عُدّ من العوارض المكتسبة؟
الجواب: أن الجهل أمر غير ثابت في الأزمان, فبالرغم من أن الإنسان يولد جاهلا فإنّ بوسعه إزالةَ هذه الصفة مع نموّ عقله, وبدوّ رشده, وقدرته على التعلم, وقد جعل الله له وسائل التعلم: {الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} , فلما أهمل التعلم وتقاعس عن إزالة صفة الجهل عنه, صار كأنه مختار للجهل, فمن هنا عدّ من العوارض المكتسبة [4] .
المطلب الأول: تعريف التكليف:
هو لغةً: إلزام ما فيه كُلْفة أي مشقة [5] , قالت الخنساء [6] في صخر:
(1) [العلق: 1 - 5]
(2) مقدمة ابن خلدون (ص 599) .
(3) [النحل: 78]
(4) وانظر الجهل وأثره في العبادات والحدود لصالح أوزدمير محمد علي (ص 43) .
(5) روضة الناظر لابن قدامة (1/ 46 - 47) .
(6) خنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية الشاعرة المشهورة اسمها تُمَاضِر, ذكر ابن عبد البر أنها قدمت على رسول الله / مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم, فذكروا أن رسول الله / كان يستنشدها فيعجبه شعرها, وكانت تنشده وهو يقول:"هيه يا خناس"و يُومي بيده, وأخبارُها مع أخيها صخر مشهورة في مراثيها وغيرها. [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: 7/ 613 - 614, ووفيات الأعيان: 6/ 34]