فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 135

إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس, إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله / [1] .

قال الأمير الصنعاني [2] رحمه الله:"دل الحديث على أن الكلام من الجاهل في الصلاة لا يُبطِلها وأنه معذور لجهله فإنه / لم يأمر معاوية بالإعادة" [3] .

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله:"وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات, فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل [4] كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة" [5] .

ووجه التفريق بين ترك المأمورات وفعل المنهيات في العذر بالجهل ما ذكره ابن دقيق العيد:"أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها, وذلك لا يحصل إلا بفعلها, والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلَّف بالانكفاف عنها, وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها, ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي فعُذر بالجهل فيه" [6] .

القاعدة الرابعة: لا يسقط الضمان إذا وقع الجهل في فعلِ منهيٍّ من باب الإتلاف [7] .

فلو قَدَّم له غاصبٌ طعامًا ضِيافةً فأكله جاهلًا, فقرار الضمان عليه في أظهر القولين, ومن هذا الباب: لو أتلف المشتري المبيعَ قبل القبض جاهلا فهو قابض في الأظهر, ومنه: محظورات الإحرام التي هي إتلاف كإزالة الشعر والظفر وقتل الصيد, لا تسقط فديتها بالجهل [8] .

قال الشوكاني رحمه الله:"مجرد الجهل والإحسان لا يُسقطان الضمان, لأن ضمان الجناية من أحكام الوضع [9] , فلتزم الجاهلَ كما تلزم العالم, وتلزم المحسن كما تلزم المسيء, وتلزم المجنون والصبي كما تلزم العاقل المكلف" [10] .

والفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع"أن خطاب التكليف يُشترط فيه علمُ المكلَّف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة والصوم والحج ونحوها، وأما خطاب الوضع فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما استُثني" [11] .

ويذكر الأصوليون في باب المرجحات أنه يُقدَّم الحكم الوضعي على الحكم التكليفي لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المكلف وفهمه وتمكنه من الفعل [12] .

القاعدة الخامسة: إذا وقع الجهل فيما يُوجب عقوبة كان شبهةً في إسقاطها [13] .

كمن شرب خمرا جاهلا به, فلا حدَّ عليه ولا تعزير [14] , قال ابن تيمية رحمه الله:"لو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يُحَدَّ باتفاق المسلمين" [15] .

(1) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه برقم (537) .

(2) محمد بن إسماعيل بن صلاح الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير, مجتهد، من بيت الإمامة في اليمن, توفي بصنعاء سنة (1182 هـ) , من كتبه: توضيح الأفكار في علم الحديث. [الأعلام: 6/ 38]

(3) سبل السلام شرح بلوغ المرام (ص 214) .

(4) على التفصيل فيها والتفريق بين ما كان من باب الإتلاف وما لم يكن كذلك.

(5) إحكام الأحكام (ص 185) .

(6) المصدر السابق.

(7) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 394) .

(8) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 399) .

(9) سبق شرح مصطلح الحكم الوضعي (ص 34) .

(10) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني (2/ 472) .

(11) شرح الكوكب المنير (1/ 436) .

(12) انظر الإحكام للآمدي (4/ 273) , وإرشاد الفحول للشوكاني (ص 905) .

(13) الأشباه والنظائر (ص 394) .

(14) المصدر السابق (ص 397) .

(15) مجموع الفتاوى (19/ 225) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت