فنزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية [1] , فثبت بما ذكرنا أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطَب قبل علمه, إذ ليس في وُسْعه الائتمار قبل العلم, فلذلك يُعذر" [2] ."
الأحاديث كثيرة أيضا في هذا الباب, وقد مرّ ضمن كلام العلماء في الفصل السابق شيء منها, ومن الأدلة أيضا:
حديث سعد بن عبادة / أن النبي / قال:"لا شخصَ أحبُّ إليه العُذْرُ من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين" [3] .
قال القاضي عياض [4] رحمه الله:"المعنى بعث المرسَلين للإعذار والإنذار لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة وهو كقوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [5] " [6] .
ومن الأدلة أيضا: حديث حذيفة بن اليمان /: قال رسول الله /:"يدرُس [7] الإسلام كما يَدرُس وَشْيُ [8] الثوب حتى لا يُدرى ما صيامٌ ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة, ولَيُسْرى [9] على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية, وتبقى طوائفُ من الناس الشيخُ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة «لا إله إلا الله» فنحن نقولها, فقال له صِلَة [10] : ما تُغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثًا كُلَّ ذلك يُعرِض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار, ثلاثًا" [11] .
يقول ابن تيمية رحمه الله:"وكثيرٌ من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوّات، حتى لا يبقى من يُبلِّغ ما بعث الله به رسولَه من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى"
(1) [المائدة: 93]
(2) نقله عنه الشيخ إبراهيم المختار الجبرتي الزيلعي في تحقيقه لشرح العلامة الأمير على منظومة بهرام في المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص 29) .
(3) رواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه برقم (6980) , ومسلم في كتاب اللعان من صحيحه برقم (1499) , واللفظ له.
(4) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الإمام العلامة, كان إمام وقته في الحديث وعلومه عالمًا بالتفسير وجميع علومه فقيهًا أصوليًا عالمًا بالنحو واللغة وكلام العرب, من كتبه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى /, توفي سنة (544 هـ) . [الديباج المذهب: ص 168 - 172]
(5) [النساء: 165]
(6) فتح الباري للحافظ ابن حجر (13/ 400) .
(7) دَرَسَ المنزل دُرُوسًا من باب قعد عفا وخفيت آثاره, ودَرَسَ الثوب أخلق, ودَرَسَ الكتاب عتق. [المصباح المنير مادة (درس) , مختار الصحاح نفس المادة]
(8) وَشَيْتُ الثَّوب وَشْيًا من باب وعد رقمته ونقشته فهو مَوْشِيٌّ, والوَشْيُ: نوع من الثّياب الموشيّة تسمية بالمصدر. [المصباح المنير (وشي) ]
(9) سَرَى يسري بالكسر سُرًى بالضم ومَسْرًى بالفتح, وأسْرَى أي سار ليلا, والاسم السُّرْيَةُ بالضم والسُّرَى أيضا وأسْرَاهُ وأسْرَى به مثل أخذ الخطام وأخذ بالخطام, وإنما قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] وإن كان السُرى لا يكون إلا بالليل تأكيدا لقولهم سِرْتُ أمس نهارا والبارحة ليلا. [مختار الصحاح (سرا) ]
(10) صلة بن زفر العبسي أبو العلاء, ويقال: أبو بكر الكوفي, روى عن عدد من الصحابة, أخرج له أصحاب الكتب الستة, وقال ابن حجر: ثقة جليل, مات في حدود سنة (70 هـ) . [تهذيب التهذيب: 4/ 384, تقريب التهذيب: ص 278]
(11) رواه ابن ماجه في كتاب الفتن من سننه برقم (4049) والحاكم في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك (4/ 520) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه, وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (4/ 194) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات, وقوَّى إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 16) .