الباب الخامس: القواعد الفقهية [1] المتعلقة بالجهل وتطبيقاتها
القاعدة الأولى: الجهل مُسقط للإثم [2] .
فقد قال النبي /:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [3] .
قال أبو زيدٍ الدَّبُوسي رحمه الله:"وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان, لأن الجهل بالحق لا يكون إلا للجهل بدليله وسبب وجوبه, فيكون الإعراض عن إقامته [4] لا عن قصد العصيان والخلاف, بل كما يكون من المخطئ والناسي, فيكون الجاهل عاجزا حُكْمًا كالناسي, فيكون الجهل عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يُسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان" [5] .
وقال ابن تيمية رحمه الله:"من لم يعلم فهو كالناسي وأولى" [6] .
وقال ابن القيم رحمه الله:"الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم" [7] .
ويقول الذهبي [8] رحمه الله:"فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف بعباده رؤوف بهم، قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [9] , وقد كان سادة الصحابة بالحبشة وينزل الواجب والتحريم على النبي / فلا يبلغهم تحريمه إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص والله أعلم" [10] .
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله:"العلم بالتحريم أمرٌ لا بد منه للتأثيم, والمراد هو العلم بأصل التحريم لا بتفصيله, وإمكانُ العلم كافٍ لثبوت العلم, وعدمِ قيام عذر الجهل" [11] .
فمن تكلم في صلاته جاهلا بالتحريم عُذِر, ومن شرب الخمر جاهلا بتحريمها عذر, وهكذا من تطيّب وهو محرم بنسك جاهلًا تحريمَ ذلك [12] .
القاعدة الثانية: إذا وقع الجهل في ترك مأمور لم يسقط [13] .
(1) القواعد: جمع قاعدة, والقاعدة لغةً: الأساس, ومنه قواعد البناء وأساسه, قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] , والقاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط, وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته, فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة, وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة. [القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة لمحمد الزحيلي: 1/ 22] , ثم إن عدم اطراد القاعدة أحيانا والاستثناء الذي قد يعتريها لا ينقض كلية تلك القاعدة ولا يقدح في عمومها, فقد قال الشاطبي في الموافقات (2/ 53) :"الأمر الكلي إذا ثبت فتخلُّفُ بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا". وراجع مزيد تفصيل في موسوعة القواعد الفقهية للبورنو (1/ 22) فما بعد.
(2) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 394) والمنثور في القواعد للزركشي (2/ 15) .
(3) رواه ابن ماجه في كتاب الطلاق من سننه (2045) واللفظ له, وابن حبان في صحيحه في كتاب إخباره / عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين (16/ 202) بلفظ: إن الله تجاوز عن أمتي ... , كلاهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما, وقد حسّنه النووي في الأربعين له (انظر جامع العلوم والحكم: 1/ 371) , وسكت عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/ 390) , وحسّنه الألباني في إرواء الغليل (1/ 124) .
(4) أي إقامة الحق.
(5) تقويم الأدلة في أصول الفقه (ص 436) .
(6) شرح العمدة (4/ 441) .
(7) إعلام الموقعين (1/ 273) .
(8) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله حافظ، مؤرخ، علامة محقق, توفي سنة (748 هـ) , من كتبه: سير أعلام النبلاء, و ميزان الاعتدال في نقد الرجال. [الأعلام: 5/ 326]
(9) [الإسراء: 15]
(10) كتاب الكبائر للذهبي (ص 30) .
(11) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (ص 355) .
(12) انظر المنثور في القواعد للزركشي (2/ 15) .
(13) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 394) .