فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 135

والسبب في الاكتفاء بإمكان العلم بالحكم: هو أنه لو شُرط لصحة التكليف علم المكلف فعلًا بما كُلِّف به, ما استقام التكليف, وللجأ كثير من الناس إلى الاعتذار بجهل الأحكام, وهذا تعطيل للأحكام" [1] ."

ونختم هذا الفصل بكلام جامع مفيد للأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله حيث يقول:

"من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالمًا علمًا تامًا بتحريمه، فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسئولية, ويكفي في العلم بالتحريم إمكانُه، فمتى بلغ الإنسانُ عاقلًا وكان مُيسَّرًا له أن يعلم ما حُرّم عليه, إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم، وإما بسؤال أهل الذكر اعتُبر عالما بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعتذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم, ولهذا يقول الفقهاء: «لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام» . ويعتبر المكلف عالمًا بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلا، ومن ثَمَّ يُعتبر النص المحرِّم معلومًا للكافّة ولو أن أغلبهم لم يطّلع عليه أو يعلم عنه شيئًا مادام العلم به كان ممكنًا لهم, ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فِعلًا، لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص. وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثًا ولم يكن مقيما بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناءً في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسرًا، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرًا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة, أما إذا كان مدعي الجهل ناشئًا بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الادعاء بالجهل" [2] .

(1) نظرية الضرورة الشرعية (ص 104) وانظر أصول الفقه الإسلامي له أيضا (1/ 134) .

(2) التشريع الجنائي الإسلامي (1/ 430 - 431) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت